+966 12 511 8667muath@muathlaw.comالأحد – الخميس، 9 صباحًا – 5 مساءً

إلزام الخصم بتقديم محرر تحت يده

2026-10-27

بحث في طلب إلزام الخصم بتقديم محرر تحت يده وفق المواد (34) إلى (37) من نظام الإثبات: الحالات التي يجوز فيها الطلب، والعناصر التي يجب أن يستوفيها، وجزاء الامتناع، وحكم إنكار الحيازة، والقاعدة الخاصة بالدعاوى التجارية، مع تطبيق قضائي في رفض الطلب لعدم إثبات الحيازة.

أولًا: تحديد المسألة محل البحث

كثير من الحقوق تضيع لا لأنها غير ثابتة، بل لأن دليلها في يد الخصم: عقد بنسخة واحدة، دفتر حسابات، محضر استلام، كشف تسليم، مراسلات داخلية. وقد عالج نظام الإثبات هذه المعضلة بأداة صريحة: طلب إلزام الخصم بتقديم المحرر الذي تحت يده. غير أن هذه الأداة مقيدة بشروط دقيقة، ومن قدّمها بطلب مرسل عام خسرها. ويتناول هذا البحث حالات الطلب، وعناصره، وجزاء امتناع الخصم، وحكم إنكاره الحيازة، والقاعدة الخاصة بالدعاوى التجارية.

ثانيًا: التكييف النظامي

الأصل أن البينة على المدعي، وأنه لا يُجبر أحد على تقديم دليل ضد نفسه. وطلب إلزام الخصم بتقديم محرر استثناء من هذا الأصل، يقوم على فكرة أن بعض المحررات مشتركة بطبيعتها أو مستند إليها من الخصم نفسه أو يجيز النظام المطالبة بها، فلا يجوز لحائزها أن يحجبها عن القضاء. ولذلك وضع النظام لهذا الاستثناء حالات محصورة، وعناصر شكلية لازمة، وجزاءً إثباتيًا على الامتناع يقوم مقام الدليل الغائب.

ثالثًا: النصوص النظامية

نصت المادة (الرابعة والثلاثون) من نظام الإثبات، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/43) وتاريخ 26/5/1443هـ، على أنه: «يجوز للخصم أن يطلب من المحكمة إلزام خصمه بتقديم أي محرَّر منتج في الدعوى يكون تحت يده في الحالات الآتية: أ- إذا كان النظام يجيز مطالبته بتقديمه أو تسليمه. ب- إذا كان المحرَّر مشتركاً بينه وبين خصمه، ويعد المحرَّر مشتركاً على الأخص إذا كان لمصلحة الخصمين، أو كان مثبتاً لالتزاماتهما وحقوقهما المتبادلة. ج- إذا استند إليه خصمه في أي مرحلة من مراحل الدعوى».

ثم قررت الفقرة الثانية من المادة ذاتها أنه: «لا يقبل الطلب المشار إليه في الفقرة (١) من هذه المادة؛ ما لم يستوف العناصر الآتية: أ- أوصاف المحرَّر، ومضمونه بقدر ما يمكن من التفصيل. ب- الدلائل والظروف التي تؤيد أن المحرَّر تحت يد الخصم. ج- الواقعة التي يستدل بالمحرَّر عليها، ووجه إلزام الخصم بتقديمه».

ونصت المادة (الخامسة والثلاثون) على أنه: «إذا أقر الخصم أن المحرَّر في حوزته أو سكت، أو أثبت الطالب صحة طلبه، أمرت المحكمة بتقديم المحرَّر. إذا امتنع الخصم عن تقديم المحرَّر المطلوب بعد إمهاله مرة واحدة، عدت صورة المحرَّر التي قدمها الطالب صحيحة مطابقة لأصلها، فإن لم يكن قد قدم صورة من المحرَّر؛ فللمحكمة الأخذ بقول الطالب فيما يتعلق بشكل المحرَّر ومضمونه».

وأضافت الفقرة الثالثة من المادة نفسها: «إذا أنكر الخصم وجود المحرَّر ولم يقدم الطالب للمحكمة إثباتاً كافياً لصحة طلبه، فله أن يطلب من المحكمة توجيه اليمين لخصمه فيما يتعلق بهذا المحرَّر»، فإن نكل الخصم ولم يردها، أو ردها فحلف الطالب، عُدت صورة المحرر صحيحة مطابقة لأصلها.

وفي الدعاوى التجارية نصت المادة (السادسة والثلاثون) على أن للخصم أن يطلب من خصمه تقديم محرر ذي صلة بالدعوى أو الاطلاع عليه وفق ضوابط: «أ- أن يكون المحرَّر محدداً بذاته أو نوعه. ب- أن يكون للمحرَّر علاقة بالتعامل التجاري محل الدعوى، أو يؤدي إلى إظهار الحقيقة فيه. ج- ألّا يكون له طابع السرية بنص خاص أو اتفاق بين الخصوم»، و«إذا امتنع الخصم عن تقديم ما أمرت المحكمة بتقديمه... فللمحكمة أن تعد امتناعه قرينة».

وأجازت المادة (السابعة والثلاثون) للمحكمة من تلقاء نفسها أو بطلب أحد الخصوم «إدخال الغير لإلزامه بتقديم محرَّر تحت يده»، و«طلب محرَّر من جهة عامة أو صورة مصدقة منه» إذا تعذر ذلك على الخصم.

امتناع الخصم عن تقديم المحرر بعد إمهاله يجعل صورة الطالب حجة مطابقة لأصلها.

رابعًا: عناصر الطلب المقبول

  • وصف المحرر: نوعه وتاريخه وأطرافه ومضمونه بقدر الإمكان؛ فالطلب العام «كل المستندات» لا يُقبل.
  • دلائل الحيازة: قرائن جدية على أن المحرر تحت يد الخصم: مراسلة تشير إليه، إقرار سابق، محضر تسليم، طبيعة النشاط.
  • الواقعة المراد إثباتها: ربط المحرر بواقعة منتجة في الدعوى.
  • سند الإلزام: بيان الحالة التي يندرج فيها الطلب من حالات المادة (34/1).

وأما حالات الإلزام فثلاث: الأولى أن يجيز النظام المطالبة بالمحرر، كحق الشريك في الاطلاع على دفاتر الشركة، وحق الموكل في مستندات وكيله. والثانية أن يكون المحرر مشتركًا، كالعقد الموقع بنسخة واحدة، ومحاضر الاستلام والتسليم، والمراسلات التي تثبت التزامات متبادلة. والثالثة أن يكون الخصم قد استند إلى المحرر في أي مرحلة، فلا يجوز له أن يحتج به ثم يحجب أصله. وكلما كان الطلب أقرب إلى الحالة الثانية، كان أيسر قبولًا؛ لأن الاشتراك في المحرر يُغني عن كثير من التعليل.

خامسًا: التطبيق القضائي

في القضية التي صدر فيها حكم الدائرة الخامسة بالمحكمة التجارية بجدة رقم (4530327875) وتاريخ 03/04/1445هـ، المؤيد بحكم الاستئناف رقم (4530570741)، طلبت شركة إلزام شركة أخرى بتسليمها ملفات ومستندات خاصة بها، وكشف حساب بنكي بالمبالغ المتعلقة بتصفية سابقة، والإفصاح عن أي مستندات تخصها. فأنكر وكيل المدعى عليها وجود المستندات في حوزة موكلته.

فأثبتت الدائرة أنه «أنكر وكيل المدعى عليها وجودها في حوزة موكلته حتى تاريخ هذه الجلسة كما لم يقدم وكيل المدعية البينة الموصلة على وجود المستندات في حوزة المدعى عليها»، وقررت أن «الأصل هو المنع من الاطلاع على حسابات الغير إلا بموجب بينة تفيد حق للغير في الاطلاع على البيانات البنكية للآخرين»، فرفضت الدعوى. وأيدت محكمة الاستئناف الحكم، مع حفظ حق المدعية «في إعادة مطالبة المدعى عليها عند تحقق انتهائها من تصفية تركة المصفي السابق، وثبوت وجود المستندات المطلوبة تحت يدها وامتناعها عن تسليمها».

سادسًا: القراءة التحليلية

يكشف هذا الحكم الخطأ الأكثر شيوعًا في هذه الطلبات: طلب عام بلا دلائل حيازة. فالطالب أدرج قائمة واسعة («الإفصاح عن أي مستندات»)، ولم يقدّم قرينة واحدة على أنها في يد خصمه، فلما أنكر الخصم سقط الطلب. ولو بنى الطالب طلبه على عناصر المادة (34/2)، ثم لجأ عند الإنكار إلى توجيه اليمين وفق المادة (35/3)، لتغيرت النتيجة: فإما أن يحلف الخصم فتنتهي المسألة، وإما أن ينكل فتُعد صورة الطالب مطابقة للأصل، أو يُؤخذ بقوله في شكل المحرر ومضمونه.

ويُلاحظ أن النظام فرّق بين نوعين من الجزاء: ففي الطلب العام وفق المادة (35) يكون الجزاء قاطعًا بعد الإمهال مرة واحدة، إذ تُعد صورة الطالب صحيحة مطابقة لأصلها. أما في الدعاوى التجارية وفق المادة (36) فالجزاء تقديري، إذ «للمحكمة أن تعد امتناعه قرينة» تقدّرها مع باقي الأدلة. وهذا الفرق مهم في صياغة الطلب: فمن ملك صورة المحرر فليقدّمها مع الطلب، ليستفيد من الجزاء القاطع إن امتنع خصمه.

كما أن الحسابات البنكية تخضع لأصل السرية، فلا يُجاب طلب كشفها إلا ببينة تثبت حق الطالب في الاطلاع، كأن يكون الحساب مخصصًا لأموال شركة هو شريك فيها، أو لأموال تصفية هو طرف فيها. وفي هذه الحالة يحسن الاستناد إلى المادة (37/2) لطلب المعلومات من الجهة المختصة عبر المحكمة، بدل مطالبة الخصم مباشرة.

سابعًا: المخاطر والنقاط العمياء

  • تقديم الطلب بصيغة عامة تشمل «جميع المستندات» دون تحديد.
  • إغفال دلائل الحيازة والاكتفاء بقول إن الخصم «يحتفظ بها عادة».
  • السكوت بعد إنكار الخصم وعدم طلب توجيه اليمين.
  • عدم تقديم صورة المحرر إن وُجدت، فيضيع الجزاء القاطع.
  • إغفال إدخال الغير الحائز للمحرر وفق المادة (37/1).

ثامنًا: القواعد المستخلصة

  • القاعدة الأولى: لا يُقبل طلب تقديم المحرر إلا بوصفه ودلائل حيازته والواقعة المراد إثباتها. (م 34 إثبات)
  • القاعدة الثانية: امتناع الخصم بعد إمهاله يجعل صورة الطالب مطابقة لأصلها. (م 35/2 إثبات)
  • القاعدة الثالثة: إنكار الحيازة دون بينة مضادة يُحسم باليمين. (م 35/3 إثبات)
  • القاعدة الرابعة: لا يُكشف حساب بنكي للغير إلا ببينة تثبت حق الطالب في الاطلاع. (حكم 4530570741)

تاسعًا: الخلاصة العملية

اكتب طلبك كأنه دعوى مستقلة: حدّد المحرر، واذكر الحالة النظامية التي تُلزم خصمك بتقديمه، وأرفق ما يدل على أنه في يده، واربطه بواقعة منتجة، وأرفق صورته إن كانت لديك. فإن أنكر خصمك فاطلب يمينه فورًا. وإن كانت الدعوى تجارية فاطلب من المحكمة أن تعد امتناعه قرينة، واجمعها مع باقي القرائن. بهذه الخطوات يتحول المحرر الغائب إلى دليل حاضر، ويتحول عبء الإثبات عمليًا إلى الخصم الذي اختار الصمت أو الإنكار دون بينة، وهو موقف لا يحتمله في الغالب أمام دائرة تبحث عن الحقيقة.

المراجع

  • نظام الإثبات، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/43) وتاريخ 26/5/1443هـ: المواد (34) إلى (37).
  • حكم الاستئناف رقم (4530570741) المؤيد لحكم الدائرة الخامسة بالمحكمة التجارية بجدة رقم (4530327875) وتاريخ 03/04/1445هـ.
  • المركز الوطني للأنظمة واللوائح — نص نظام الإثبات (عبر qadipro.ai/laws).

شركة معاذ للمحاماة والاستشارات القانونية تتولى إعداد طلبات تقديم المحررات وخطط الإثبات في الدعاوى التجارية والمدنية. أحكام يتناولها هذا المقال والمنشورة في الموقع: • «لا يُلزم الخصم بتقديم مستندات لم يثبت وجودها تحت يده، والأصل منع الاطلاع على حسابات الغير» — الحكم رقم (4530327875). تجد هذه الأحكام بأسمائها وأرقامها في قسم الأنظمة والأحكام القضائية.

  • الــمحامــي ⚖️ مــعاذ عــتين

الخدمات القانونية

هذا المحتوى لأغراض التوعية العامة ولا يُعدّ استشارة قانونية في واقعة بعينها.
اطلب استشارة