+966 12 511 8667muath@muathlaw.comالأحد – الخميس، 9 صباحًا – 5 مساءً

تفسير العقد في نظام المعاملات المدنية

2026-11-02

بحث في تفسير العقد وفق المادة (104) من نظام المعاملات المدنية: منع العدول عن العبارة الواضحة، والبحث عن الإرادة المشتركة ومعايير الاستهداء، وتفسير الشروط بعضها ببعض، وتفسير الشك لمصلحة الملتزم والطرف المذعن، وعلاقة ذلك بقاعدة المقاصد والمعاني، مع تطبيقات من أحكام المحاكم التجارية بالرياض وجدة.

يتنازع المتعاقدان بعد التوقيع على معنى بندٍ واحد: يقرؤه أحدهما على ظاهر لفظه، ويقرؤه الآخر على ما يزعم أنه المقصود منه. وفي هذه اللحظة يتحول العقد من أداة تنظيم إلى موضوع خصومة، ويصبح السؤال الحاسم: متى يقف القاضي عند حرف العقد، ومتى يجاوزه إلى البحث عن الإرادة المشتركة؟ وقد حسم نظام المعاملات المدنية هذه المسألة بنص صريح في المادة (104)، وأحاطه بقواعد كلية في المادة (720)، وطبّقته المحاكم التجارية في أحكام حديثة. وتتناول هذه المقالة تفسير العقد: تكييفه، ونصوصه، وضوابطه، وتطبيقاته القضائية، وإشكالاته العملية.

أولاً: تحديد المسألة

مسألة التفسير لا تُثار في كل نزاع عقدي؛ فهي لا تقوم إلا إذا اختلف الطرفان في مدلول عبارة العقد، لا في وجود الالتزام ولا في تنفيذه. ويقع الخلط كثيرًا بين ثلاث مسائل متمايزة: تفسير العقد، وهو تحديد مضمون الالتزام من عبارات العقد؛ وتكييفه، وهو إعطاؤه وصفه النظامي الصحيح؛ وتكملته، وهي إضافة ما يقتضيه العقد مما لم يُنص عليه. والمادة (104) تحكم الأولى، والمادة (95/2) تحكم الثالثة، أما التكييف فعمل قانوني تتولاه المحكمة ولا يتقيد بتسمية الطرفين.

والمسألة في جوهرها صراع بين قاعدتين يتمسك بهما الخصوم: قاعدة احترام ظاهر اللفظ استقرارًا للتعامل، وقاعدة العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني. وقد رسم النظام حدود كل منهما على نحو يمنع استعمال الثانية ذريعة لهدم الأولى.

ثانياً: التكييف النظامي

التفسير عملية قضائية لاحقة لانعقاد العقد صحيحًا، غايتها الكشف عن الإرادة التي التقت عند التعاقد، لا إنشاء إرادة جديدة. ولذلك فهو مقيد بنقطة بداية لا يتجاوزها: عبارة العقد ذاتها. فإن كانت واضحة امتنع التفسير، وإن كانت محتملة انفتح باب البحث عن الإرادة المشتركة بضوابط محددة. ويترتب على ذلك أن من يدعي معنى يخالف الظاهر الواضح لا يطلب في الحقيقة تفسيرًا، بل يطلب تعديل العقد، وهو ما لا تملكه المحكمة إلا بنص.

ثالثاً: النصوص النظامية

صدر نظام المعاملات المدنية بالمرسوم الملكي رقم (م/191) وتاريخ 29/11/1444هـ، ونص في المادة (104) على أنه:

«١- إذا كانت عبارة العقد واضحةً فلا يُعدل عن مدلولها بحجة تفسيرها بحثاً عن إرادة المتعاقدين.

٢- إذا كان هناك محل لتفسير العقد فيجب البحث عن الإرادة المشتركة للمتعاقدين، دون الاكتفاء بالمعنى الحرفي للألفاظ، ويُستهدى في ذلك بالعرف وظروف العقد وطبيعة المعاملة وما جرت به العادة في التعامل بين المتعاقدين وحالهما وما ينبغي أن يسود من أمانة وثقة بينهما، وتُفسِّر شروط العقد بعضها بعضاً وذلك بإعطاء كل شرط المعنى الذي لا يتعارض به مع غيره من الشروط.

٣- يُفسر الشك لمصلحة من يتحمل عبء الالتزام أو الشرط، ويُفسر في عقود الإذعان لمصلحة الطرف المـُذْعِن.»

ونصت المادة (95) على أنه: «١- يجب تنفيذ العقد طبقاً لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية. ٢- لا يقتصر العقد على إلزام المتعاقد بما ورد فيه، ولكن يشمل ما هو من مستلزماته وفقاً لما تقضي به النصوص النظامية والعرف وطبيعة العقد.»

وأوردت المادة (720) قواعد كلية تطبق بالقدر الذي لا تتعارض فيه مع النصوص النظامية، منها: القاعدة الثانية «العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني»، والقاعدة الثالثة عشرة «لا ينسب إلى ساكت قول، لكن السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان»، والقاعدة الرابعة عشرة «لا عبرة بالدلالة في مقابلة التصريح»، والقاعدة الرابعة والعشرون «الأصل في الكلام الحقيقة»، والقاعدة الخامسة والعشرون «إعمال الكلام أولى من إهماله».

وصدر المادة (720) يحسم العلاقة بين القاعدتين: فالقواعد الكلية تطبق «بالقدر الذي لا تتعارض فيه مع النصوص النظامية»؛ فلا تُقدَّم قاعدة المقاصد والمعاني على صريح المادة (104/1).

رابعاً: ضوابط التفسير وشروطه

1- قاعدة الوضوح مانعة من التفسير. متى كانت العبارة واضحة في الدلالة على المعنى المتنازع فيه، لم يجز للمحكمة أن تعدل عنها ولو ادعى أحد الطرفين أن إرادته الحقيقية كانت غير ذلك. والوضوح المقصود وضوح الدلالة لا وضوح الألفاظ مفردة؛ فقد تكون الألفاظ واضحة وتتعارض فيما بينها، فينشأ محل للتفسير.

2- البحث عن الإرادة المشتركة لا الفردية. إذا وُجد محل للتفسير، فالمطلوب الإرادة التي التقى عليها الطرفان، لا ما أضمره أحدهما. ومعايير الاستهداء التي عددتها المادة (104/2) معايير موضوعية: العرف، وظروف العقد، وطبيعة المعاملة، والعادة الجارية بين الطرفين، وحالهما، ومقتضى الأمانة والثقة.

3- الشروط يفسر بعضها بعضًا. لا يُقرأ البند منفردًا، بل في سياق العقد كله، ويُعطى كل شرط المعنى الذي لا يتعارض به مع غيره، إعمالًا لقاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله.

4- الشك لمصلحة الملتزم. إذا بقي الشك بعد استنفاد وسائل التفسير، رُجح المعنى الأخف على من يتحمل الالتزام أو الشرط؛ لأن الأصل براءة الذمة. وفي عقود الإذعان يُفسر الشك لمصلحة الطرف المذعن مطلقًا، دائنًا كان أو مدينًا.

5- السكوت في معرض البيان. الأصل أنه لا ينسب إلى ساكت قول، غير أن سكوت المتعاقد عن مستند تعاقدي يُرسل إليه في معرض الحاجة إلى الاعتراض كالفاتورة وأمر الشراء يُحمل على القبول.

خامساً: التطبيق القضائي

في نزاع حول بند التأمين في عقد مقاولة لإنشاء مطعم، ألزمت المحكمة التجارية بالرياض المقاولَ بإصدار وثيقة تأمين ضد العيوب الخفية بالحكم رقم 4630072324 وتاريخ 04/02/1446هـ، وأيدته دائرة الاستئناف بالحكم رقم 4630334742. وكان المقاول قد تمسك بأن لفظ التأمين في البند (4/14) تحقق بوثيقة تأمين ضد المخاطر، وبأن العبرة بالمقاصد والمعاني، فردت الدائرة بأن ذلك «موهن لموقفها ويدل على أنها إنما تدعي بخلاف لفظ العقد، وقد نص نظام المعاملات المدنية في مادته 104 على أنه إذا كانت عبارة العقد واضحة فلا يعدل عن مدلولها»، وقررت أن «الألفاظ صريحة ويؤيدها اختلاف المدد ونوع التأمين ومقدار التأمين وجهة التأمين ووقت التأمين».

وفي تفسير شرط بشرط آخر، ألغت دائرة الاستئناف الرابعة بالمحكمة التجارية بالرياض بالحكم رقم 4530437365 حكمًا ابتدائيًا رقم 4530183719 وتاريخ 19/03/1445هـ رفض المطالبة بثمن مبيع، وألزمت المشترية بالثمن، لأن «التاخير يسير وقد أقر أمر الشراء بغرامة تأخير لكل أسبوع والتأخير أقل من أسبوع مما يدل على السماح بأقل من أسبوع». فاستخلصت الدائرة من شرط الغرامة معيار التسامح في التأخير، وهو تطبيق لتفسير الشروط بعضها ببعض.

وفي السكوت عن المستند التعاقدي، أيدت دائرة الاستئناف الأولى بالمحكمة التجارية بجدة بالحكم رقم 4630005900 إلزام مستأجرة بأجرة رافعات، مقررة أن «المدعى عليها لم تنكر بشكل صريح وواضح استلام الفواتير محل الدعوى ولم تقدم ما يثبت اعتراضها عليها ، والقاعدة تنص على أن السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان ، مما يؤكد صحة هذه الفواتير».

وفي تحديد نطاق كل عقد عند تعدد العقود، عدّلت دائرة الاستئناف الرابعة بالرياض بالحكم رقم 4630915278 المبلغ المحكوم به في الحكم رقم 4630659229 وتاريخ 18/08/1446هـ، مقررة أنه «لإعمال مبدأ استقلالية العقود فإنه لاينظر إلى مجموع السدادات بل ينظر الي سداد العقد محل الدعوى نفسه»، واستندت إلى أن خطاب التحويل المحتج به يخص عقدًا آخر كما نص عليه في ثناياه.

سادساً: الإشكالات العملية

1- الاحتجاج بالمقاصد لتعديل الالتزام. أكثر ما يُساء استعماله في الدفاع قاعدة المقاصد والمعاني، فيُطلب بها إحلال التزام أخف مكان التزام منصوص. والحكم المتقدم صريح في أن هذا الاحتجاج يرتد على صاحبه؛ لأنه إقرار ضمني بمخالفة اللفظ.

2- البند العام في مواجهة البند الخاص. إذا ورد لفظ عام كالتأمين أو الضمان في بند، وورد في القرار التنظيمي أو في بند آخر نوع خاص منه، فالخاص هو الذي يحدد مضمون الالتزام، ولا يجزئ عنه أداء نوع آخر يختلف في المدة والغاية.

3- عبء إثبات العرف. الاستهداء بالعرف في التفسير لا يعفي من يدعيه من إثباته؛ فالعرف واقعة يُطلب دليلها، ولا يُفترض لمجرد التمسك به.

4- المراسلات اللاحقة للعقد. تصلح المراسلات اللاحقة قرينة على الإرادة المشتركة ضمن ما جرت به العادة بين الطرفين، لكنها لا تُعدّل عبارة واضحة ما لم ترقَ إلى اتفاق معدِّل.

5- عقود النماذج. العقد المعد سلفًا من طرف قوي قد يُكيَّف عقد إذعان، فيُفسر غموضه لمصلحة الطرف المذعن؛ مما يوجب على من يعد النماذج أن يحرر بنودها بوضوح يغلق باب الشك.

سابعاً: خلاصة القواعد

  • 1- العبارة الواضحة لا يُعدل عن مدلولها بحجة البحث عن الإرادة الحقيقية.
  • 2- قاعدة المقاصد والمعاني لا تتقدم على صريح المادة (104/1)، لأن القواعد الكلية تطبق بما لا يتعارض مع النصوص.
  • 3- إذا وُجد محل للتفسير فالمعتبر الإرادة المشتركة مستهدى بالعرف وظروف العقد وطبيعة المعاملة والعادة بين الطرفين.
  • 4- شروط العقد يفسر بعضها بعضًا، ويعطى كل شرط معنى لا يتعارض به مع غيره.
  • 5- الشك يفسر لمصلحة من يتحمل الالتزام، وفي عقود الإذعان لمصلحة الطرف المذعن.
  • 6- السكوت عن المستند التعاقدي في معرض الحاجة إلى الاعتراض بيان يُحمل على القبول.
  • 7- العرف المدعى به في التفسير واقعة يقع عبء إثباتها على مدعيه.

المراجع

  • نظام المعاملات المدنية، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/191) وتاريخ 29/11/1444هـ: المواد (95) و(104) و(720).
  • حكم المحكمة التجارية بالرياض رقم 4630072324 وتاريخ 04/02/1446هـ، المؤيد بحكم الاستئناف رقم 4630334742.
  • حكم المحكمة التجارية بالرياض رقم 4530183719 وتاريخ 19/03/1445هـ، الملغى بحكم الاستئناف رقم 4530437365.
  • حكم المحكمة التجارية بجدة رقم 4531073078 وتاريخ 14/11/1445هـ، المؤيد بحكم الاستئناف رقم 4630005900.
  • حكم المحكمة التجارية بالرياض رقم 4630659229 وتاريخ 18/08/1446هـ، المعدل بحكم الاستئناف رقم 4630915278.

شركة معاذ للمحاماة والاستشارات القانونية تتولى صياغة العقود التجارية ومراجعة بنودها، وتمثيل المتعاقدين في منازعات تفسير العقد وتنفيذه أمام المحاكم التجارية. أحكام يتناولها هذا المقال والمنشورة في الموقع: • «استقلال العقود يمنع احتساب سدادات عقد آخر في الوفاء بعقد النزاع» — الحكم رقم (4630659229). تجد هذه الأحكام بأسمائها وأرقامها في قسم الأنظمة والأحكام القضائية.

  • الــمحامــي ⚖️ مــعاذ عــتين

الخدمات القانونية

هذا المحتوى لأغراض التوعية العامة ولا يُعدّ استشارة قانونية في واقعة بعينها.
اطلب استشارة