دراسة لالتزامات المقاول وجزاء إخلاله في المواد (461) إلى (472) من نظام المعاملات المدنية، وشروط التنفيذ على نفقة المقاول وفق المادتين (466) و(167)، وعبء إثبات عيوب التنفيذ والتأخير، مع تحليل حكم المحكمة التجارية بالرياض رقم (4630101760) المؤيد استئنافًا بالحكم رقم (4630278302).

من صور النزاع المتكررة في عقد المقاولة أن يطالب المقاول بباقي قيمة الأعمال، فيدفع صاحب العمل بالتأخير والعيوب وبأنه أكمل الأعمال بنفسه على نفقة المقاول. وقد نظّم نظام المعاملات المدنية هذه المسائل بنصوص صريحة، أبرزها المادة (466) التي رسمت الطريق الذي يسلكه صاحب العمل عند إخلال المقاول أثناء سير العمل. ويتناول هذا البحث تلك الأحكام وتطبيقها القضائي.
أولًا: تحديد المسألة محل البحث
المسألة: ما الالتزامات التي يتحملها المقاول بموجب العقد والنظام؟ وما الوسائل التي يملكها صاحب العمل إذا أخل المقاول بها أثناء التنفيذ؟ وهل يجوز لصاحب العمل أن يُكمل الأعمال بنفسه أو بمقاول آخر ثم يخصم تكلفتها من مستحقات المقاول دون إعذار؟ وعلى من يقع عبء إثبات العيب والتأخير عند المنازعة في المستحقات؟
ثانيًا: التكييف النظامي لعقد المقاولة
عرّفت المادة (461) من نظام المعاملات المدنية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/191) وتاريخ 29/11/1444هـ المقاولة بأنها: «عقدٌ يلتزم بمقتضاه المقاول بصنع شيءٍ أو أداء عملٍ مقابل أجر دون أن يكون تابعاً لصاحب العمل ولا نائباً عنه». ويتميز العقد بهذا التعريف عن عقد العمل بانتفاء التبعية، وعن الوكالة بانتفاء النيابة. ونصت المادة (462) على أنه: «يصح أن يكون التزام المقاول بتنفيذ العمل بمواد من عنده أو من صاحب العمل».
ويتفرع عن مصدر المواد اختلاف نطاق المسؤولية؛ إذ نصت المادة (463) على أنه: «١- إذا اشترط صاحب العمل أن يقدم المقاول المواد كلها أو بعضها؛ كان المقاول مسؤولاً عن توفر الشروط والمواصفات المتفق عليها إن وجدت، وإلا التزم بأن تكون وافيةً بالغرض المقصود وفقاً للعرف. ٢- إذا كان صاحب العمل هو الذي قدم المواد؛ التزم المقاول بأن يبذل في المحافظة عليها عناية الشخص المعتاد وأن يراعي في عمله الأصول الفنية وأن يرد إلى صاحب العمل ما بقي منها». ونصت المادة (464) على أنه: «يتحمَّل المقاول نفقات ما يستلزمه إنجاز العمل من آلات وأدوات، ما لم يتفق على خلاف ذلك».
ثالثًا: الالتزام الجوهري للمقاول: الإنجاز وفق الشروط وفي المدة
نصت المادة (465) على أنه: «يلتزم المقاول بإنجاز العمل وفقاً لشروط العقد وفي المدة المتفق عليها، فإن لم تكن هناك شروطٌ أو لم يُتفق على مدةٍ التزم بإنجازه وفقاً للأصول المتعارف عليها وفي المدة المعقولة التي تقتضيها طبيعة العمل». ويتضمن النص التزامين: التزامًا بالمطابقة، ومعياره شروط العقد ثم الأصول المتعارف عليها عند غيابها، والتزامًا بالمدة، ومعياره المدة المتفق عليها ثم المدة المعقولة بحسب طبيعة العمل.
والتزام المقاول بالإنجاز التزام بتحقيق غاية؛ إذ نصت المادة (168) على أنه: «أما إذا كان المطلوب هو تحقيق غاية فلا يُعدُّ الوفاء حاصلاً إلا بتحقق تلك الغاية». فلا يكفي المقاول أن يثبت أنه بذل العناية، بل يلزمه إنجاز العمل المتفق عليه.
رابعًا: جزاء الإخلال أثناء سير العمل (المادة 466)
نصت المادة (466) على أنه: «١- إذا أخل المقاول بشروط العقد أثناء سير العمل فلصاحب العمل إعذاره بالالتزام بها وتصحيح العمل خلال مدة معقولة يعينها له، فإذا انقضت هذه المدة دون تصحيح فلصاحب العمل أن يعهد إلى مقاول آخر بإنجاز العمل أو تصحيحه على نفقة المقاول الأول وفق أحكام المادة (السابعة والستين بعد المائة) من هذا النظام أو أن يطلب فسخ العقد. ٢- لصاحب العمل طلب فسخ العقد في الحال إذا استحال إصلاح الخلل أو تأخر المقاول في البدء بتنفيذ العمل أو في إنجازه تأخراً لا يرجى معه أن يتمكن من إتمامه في المدة المتفق عليها».
ويُستخلص من الفقرة الأولى ترتيب إجرائي: إخلال أثناء سير العمل، ثم إعذار بالالتزام والتصحيح، ثم مهلة معقولة يعينها صاحب العمل، ثم انقضاؤها دون تصحيح؛ وعندئذ يثبت لصاحب العمل الخيار بين إسناد العمل إلى مقاول آخر على نفقة الأول، وطلب الفسخ. أما الفقرة الثانية فاستثناء يجيز طلب الفسخ فورًا في ثلاث حالات: استحالة إصلاح الخلل، والتأخر في البدء بالتنفيذ، والتأخر في الإنجاز تأخرًا لا يُرجى معه إتمام العمل في المدة المتفق عليها.
والإحالة إلى المادة (167) جوهرية؛ إذ نصت الفقرة (ب) منها على أنه: «إذا لم يقم المدين بتنفيذ التزامه، جاز للدائن أن يطلب إذناً من المحكمة في تنفيذ الالتزام على نفقة المدين إذا كان هذا التنفيذ ممكناً، ويجوز للدائن في حال الاستعجال تنفيذ الالتزام على نفقة المدين دون إذن المحكمة». فالأصل استئذان المحكمة، والاستثناء حالة الاستعجال.
خامسًا: التزامات صاحب العمل: التسلم والأجر والأعمال الإضافية
يقابل التزامات المقاول التزامُ صاحب العمل بالتسلم؛ إذ نصت المادة (468) على أنه: «إذا أتم المقاول العمل ووضعه تحت تصرف صاحب العمل لزمته المبادرة إلى تسلمه». والتزامه بالأجر؛ إذ نصت الفقرة الأولى من المادة (469) على أنه: «يلتزم صاحب العمل بالوفاء بالأجر عند تسلم العمل المتفق عليه، ما لم يتفق على خلاف ذلك».
أما التعديلات والإضافات فقد نصت الفقرة الثانية من المادة (471) على أنه: «ليس للمقاول إذا حدث في التصميم تعديل أو إضافة أن يطالب بأي زيادة في الأجر إلا إذا كان ذلك راجعاً إلى خطأ صاحب العمل أو كان بإذنه واتفق مع المقاول على الزيادة في الأجر». فمناط استحقاق قيمة الأعمال الإضافية هو إثبات الإذن والاتفاق على الزيادة، وقد عدّت المحكمة في الحكم محل الدراسة المراسلات الإلكترونية دليلًا على هذا الاتفاق.
سادسًا: التطبيق القضائي
عُرضت هذه المسائل على الدائرة التجارية الرابعة بالمحكمة التجارية بالرياض في القضية رقم (4571451246) لعام 1446هـ؛ وتتلخص وقائعها في أن شركة تعاقدت على تنفيذ أعمال ديكور داخلي وخارجي لمشروع خلال (30) يومًا، وطالبت بباقي قيمة الأعمال البالغ (1,865,095.21) ريالًا. ودفع صاحب العمل بأن المقاولة تأخرت وتركت الموقع وأن الأعمال معيبة، وأنه أكمل الأعمال وأصلح العيوب بتكلفة (700,000) ريال، وطالب بغرامة تأخير قدرها (690,000) ريال، ونفى استحقاق الأعمال الإضافية، مستندًا إلى المادتين (465) و(466) من نظام المعاملات المدنية.
فقضت الدائرة بحكمها رقم (4630101760) وتاريخ 07/02/1446هـ بإلزام صاحب العمل بكامل المبلغ المطالب به، وأسست قضاءها على أربعة أسباب:
- في الأعمال الإضافية: ثبت للدائرة من البريد الإلكتروني المؤرخ في 4/11/2022م وجود اتفاق على أمر التغيير، فقالت: «فإن الثابت حينئذ وجود اتفاق على أمر التغيير وبالتالي لا تثريب على الدائرة بالحكم به».
- في عبء إثبات العيب: قررت أن «الأصل المقرر سلامة الأعمال من العيوب وعلى من يدعيها تقديم البينة عليها»، ولاحظت أن الأعمال منتهية فلا يمكن ندب خبير للوقوف على الموقع.
- في التنفيذ على نفقة المقاول: أوردت نص المادة (466/1) ثم قالت: «وهذا لم يحصل كما أن المدعى عليه لم تقدم ما يثبت أنها أسندت الأعمال لمقاول آخر وبالتالي فإن الدائرة تمضي في سلامة الأعمال المنفذة من العيوب».
- في التأخير: قررت أن وجود أعمال إضافية مؤرخة في 31/10/2022م، أي بعد التاريخ المحدد للانتهاء، ينفي التأخير، وأوردت نص المادة (465)، وأضافت: «علاوة على أن سداد جل قيمة الأعمال ينفي وجود تأخير من المدعية».
وقررت الدائرة كذلك أنه لا يمكن توجيه اليمين الحاسمة للمدعية لنفي العيوب لكونها شخصية اعتبارية، استنادًا إلى المادة (94/2) من الأدلة الإجرائية لنظام الإثبات. ثم قضت دائرة الاستئناف الرابعة بالحكم رقم (4630278302) بتأييد الحكم، وقالت: «فإن الدائرة لم يظهر لها في الاعتراض ما يحول دون تأييد الحكم محمولا على أسبابه».
ودلالة الحكم أن المادة (466) تنظم إجراءً يُسلك أثناء سير العمل، لا مسوّغًا يُستدعى بعد انتهاء العلاقة لتبرير الخصم من المستحقات؛ فمن لم يثبت الإعذار والمهلة وإسناد العمل إلى غيره، لم يستفد من حكمها. ويُلاحظ أن صاحب العمل في هذه القضية قدّم مراسلات وصفها بالإعذار، إلا أن الدائرة لم تعدّها كافية لإثبات العيب، وهو ما يكشف أن الإعذار وحده لا يُغني عن إثبات العيب ذاته وإثبات تكلفة إصلاحه.
سابعًا: إشكالات عملية وموقف القضاء منها
- إكمال الأعمال ذاتيًا ثم المطالبة بتكلفتها: النص يشترط الإعذار والمهلة ثم إسناد العمل إلى مقاول آخر وفق المادة (167)، وقد رفضت الدائرة الخصم لعدم إثبات الإسناد إلى مقاول آخر.
- فوات إمكان الخبرة الفنية: متى انتهت الأعمال تعذّر ندب خبير للمعاينة كما قررت الدائرة؛ فالأحوط توثيق العيوب بمحاضر معاينة أو تقارير فنية أثناء التنفيذ وقبل التسلم.
- غرامة التأخير مع وجود أوامر تغيير: عدّت الدائرة وجود أعمال إضافية بعد الموعد المحدد للانتهاء نافيًا للتأخير.
- سداد الدفعات: عدّت الدائرة سداد جلّ القيمة نافيًا لوجود التأخير، وهو ما يجعل التحفظ المكتوب عند السداد أحوط لصاحب العمل الذي يعتزم التمسك بالتأخير.
- انهيار التوازن العقدي لظروف استثنائية عامة: للمحكمة وفق المادة (471/3) أن تقضي بإعادة التوازن العقدي، بما في ذلك تمديد مدة التنفيذ أو زيادة الأجر أو إنقاصه، أو بفسخ العقد.
ثامنًا: القواعد المستخلصة
- 1- يلتزم المقاول بإنجاز العمل وفق شروط العقد وفي المدة المتفق عليها، فإن غابت فوفق الأصول المتعارف عليها وفي المدة المعقولة (المادة 465).
- 2- لا يثبت لصاحب العمل حق إسناد العمل إلى مقاول آخر على نفقة المقاول الأول أو طلب الفسخ إلا بعد إعذاره ومنحه مهلة معقولة للتصحيح، عدا حالات الفسخ الفوري في المادة (466/2).
- 3- التنفيذ على نفقة المدين يكون بإذن المحكمة، ويجوز دون إذنها في حال الاستعجال (المادة 167/ب).
- 4- الأصل سلامة الأعمال المنفذة من العيوب، وعبء إثبات العيب على من يدعيه (حكم المحكمة التجارية بالرياض رقم 4630101760 المؤيد بالحكم رقم 4630278302).
- 5- يستحق المقاول قيمة الأعمال الإضافية متى ثبت إذن صاحب العمل والاتفاق على الزيادة، ويصلح البريد الإلكتروني دليلًا على ذلك (المادة 471/2 والحكم ذاته).
- 6- يلتزم صاحب العمل بالمبادرة إلى تسلم العمل متى وُضع تحت تصرفه، وبالوفاء بالأجر عند التسلم ما لم يتفق على خلافه (المادتان 468 و469).
المراجع
- نظام المعاملات المدنية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/191) وتاريخ 29/11/1444هـ، المواد (167) و(168) و(461) إلى (469) و(471).
- نظام المحاكم التجارية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/93) وتاريخ 15/8/1441هـ، المادة (16/1) كما وردت في أسباب الحكم الابتدائي.
- الأدلة الإجرائية لنظام الإثبات، المادة (94/2) كما وردت في أسباب الحكم الابتدائي.
- حكم الدائرة التجارية الرابعة بالمحكمة التجارية بالرياض رقم (4630101760) وتاريخ 07/02/1446هـ في القضية رقم (4571451246) لعام 1446هـ، المؤيد بحكم دائرة الاستئناف الرابعة رقم (4630278302) — منشور في بوابة الأحكام القضائية بوزارة العدل (laws.moj.gov.sa).
أُعدّ هذا البحث في شركة معاذ للمحاماة والاستشارات القانونية، المتخصصة في منازعات العقود والتقاضي التجاري. أحكام يتناولها هذا المقال والمنشورة في الموقع: • «لا خصم لتكلفة إصلاح عيوب المقاولة دون إعذار وإسناد للغير وفق المادة 466» — الحكم رقم (4630101760). تجد هذه الأحكام بأسمائها وأرقامها في قسم الأنظمة والأحكام القضائية.
- الــمحامــي ⚖️ مــعاذ عــتين
