+966 12 511 8667muath@muathlaw.comالأحد – الخميس، 9 صباحًا – 5 مساءً

حدود الدعوى الجزائية بين لائحة الاتهام والوصف

2026-11-04

متى تخرج المحكمة الجزائية عن حدود الدعوى؟ تحليل لنصوص المواد 126 و158 و159 و160 من نظام الإجراءات الجزائية، والتفرقة بين تعديل الوصف الجائز للمحكمة وتعديل الاتهام الذي لا يتم إلا بإذن ومهلة دفاع، مع تطبيقات من محاكم الاستئناف التجارية بجدة في حذف منشأة لم ترد في لائحة الدعوى العامة، وتقدير حجية المحاضر الرسمية.

تُرفع الدعوى الجزائية بلائحة، وتُحاكم المحكمة المتهم على ما فيها؛ فهل تملك المحكمة أن تُدخل في الحكم شخصًا لم تُسمّه اللائحة؟ وهل تتقيد بالوصف الذي أسبغته النيابة العامة على الفعل؟ وما مدى إلزام المحاضر الرسمية التي تستند إليها الجهة المدعية؟ هذه ثلاث مسائل تتكرر في كل دعوى جزائية، ويتوقف على ضبطها سلامة الحكم من النقض.

أولًا: تحديد المسألة

محل البحث هو ما يُسمى في الفقه الإجرائي حدود الدعوى الجزائية، ولها وجهان: حدّ شخصي يتعلق بمن تُوجَّه إليه التهمة، وحدّ عيني يتعلق بالوقائع المسندة إليه. ويقابلهما أصل ثالث هو حرية المحكمة في تكييف الفعل وتقدير الدليل. والسؤال العملي: أين تنتهي سلطة المحكمة وتبدأ ولاية النيابة العامة في تحديد نطاق الاتهام؟

ثانيًا: التكييف النظامي

تنظم المسألةَ أحكامُ نظام الإجراءات الجزائية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/2) وتاريخ 22/1/1435هـ، وتتوزع نصوصه على ثلاث طوائف: نصوص تقرر احتكار النيابة العامة لإقامة الدعوى العامة، ونصوص تحدد مشتملات لائحة الدعوى، ونصوص تضبط سلطة المحكمة في الوصف والتعديل. والدعوى الجزائية بهذا المعنى عمل إجرائي محدد النطاق، لا تفويض مفتوح للمحكمة بمحاكمة كل من له صلة بالواقعة.

ثالثًا: النصوص النظامية

تنص المادة الثالثة من النظام على أنه: «لا يجوز توقيع عقوبة جزائية على أي شخص، إلا بعد ثبوت إدانته بأمر محظور شرعًا أو نظامًا بعد محاكمة تُجْرى وفقًا للمقتضى الشرعي.»

وتنص المادة الخامسة عشرة على أنه: «تختص النيابة العامة - وفقًا لنظامها - بإقامة الدعوى الجزائية ومباشرتها أمام المحاكم المختصة.»

وتنص المادة السادسة والعشرون بعد المائة على أنه: «إذا رأت النيابة العامة بعد انتهاء التحقيق أن الأدلة كافية ضد المتهم، فترفع الدعوى إلى المحكمة المختصة، وتكلف المتهم بالحضور أمامها. وترفع الدعوى وفق لائحة تشمل البيانات الآتية: ١ - تعيين المتهم ببيان اسمه ولقبه وجنسيته وسنه ومكان إقامته ومهنته أو وظيفته ورقم هويته وأهليته. (...) ٣ - بيان الجريمة المنسوبة إلى المتهم، بتحديد الأركان المكونة لها، وما يرتبط بها من ظروف مشددة أو مخففة. ٤ - ذكر النصوص الشرعية أو النظامية التي تنطبق عليها، وتحديد نوع العقوبة حدًّا كان أو تعزيرًا. ٥ - بيان الأدلة على وقوع الجريمة، ونسبتها إلى المتهم.»

وتنص المادة الثامنة والخمسون بعد المائة على أنه:

«لا تتقيد المحكمة بالوصف الوارد في لائحة الدعوى، وعليها أن تُعطِي الفعل الوصف الذي يستحقه ولو كان مخالفًا للوصف الوارد في لائحة الدعوى، وإذا جرى التعديل وجب على المحكمة أن تبلغ المتهم بذلك.»

وتنص المادة التاسعة والخمسون بعد المائة على أنه: «للمحكمة أن تأذن للمدعي العام في أن يدخل تعديلًا في لائحة الدعوى في أي وقت - ما لم يقفل باب المرافعة في القضية - ويُبَلَّغ المتهم بذلك. ويجب أن يمنح المتهم فرصة كافية لإعداد دفاعه في شأن هذا التعديل وفقًا للنظام.»

وتنص المادة الستون بعد المائة على أنه: «توجه المحكمة التهمة إلى المتهم في الجلسة، وتتلى عليه لائحة الدعوى وتوضح له ويعطى صورة منها، ثم تسأله المحكمة الجواب عن ذلك.»

وتختم المادة الثالثة والسبعون بعد المائة مسار المحاكمة بقولها: «وبعد ذلك تصدر المحكمة حكمًا بعدم إدانة المتهم، أو بإدانته وتوقيع العقوبة عليه.» وتقرر المادة السادسة والثمانون بعد المائة أنه: «متى صدر حكم في موضوع الدعوى الجزائية بالإدانة، أو عدم الإدانة بالنسبة إلى متهم معين، فإنه لا يجوز بعد ذلك أن ترفع دعوى جزائية أخرى ضد هذا المتهم عن الأفعال والوقائع نفسها التي صدر في شأنها الحكم.»

رابعًا: الشروط والأركان

يُستفاد من مجموع هذه النصوص أن الدعوى الجزائية تتحدد بعناصر ثلاثة لا تملك المحكمة تجاوزها من تلقاء نفسها:

  • العنصر الشخصي: المتهم المعيّن في اللائحة بالبيانات التي أوجبتها الفقرة (١) من المادة السادسة والعشرين بعد المائة؛ فمن لم يُعيَّن فيها لم تتصل به الدعوى، ولا يجوز أن يُحكم عليه ولا له.
  • العنصر العيني: الواقعة المسندة بأركانها وظروفها كما بيّنتها الفقرة (٣) من المادة ذاتها؛ وهي التي تتلى على المتهم ويُسأل عنها وفق المادة الستين بعد المائة.
  • عنصر الوصف: وهو التكييف النظامي للواقعة، وهذا وحده الذي حررت المادة الثامنة والخمسون بعد المائة المحكمة من التقيد به، بشرط إبلاغ المتهم بالتعديل.

والفرق بين تعديل الوصف وتعديل الاتهام فرق جوهري: الأول سلطة أصيلة للمحكمة تمارسها على الواقعة ذاتها، والثاني عمل من أعمال الادعاء لا يتم إلا بإذن المحكمة للمدعي العام، مع تمكين المتهم من فرصة كافية للدفاع وفق المادة التاسعة والخمسين بعد المائة، وقبل قفل باب المرافعة. فإذا أضافت المحكمة شخصًا أو واقعة لم ترد في اللائحة فقد خرجت من الوصف إلى الاتهام، وهو ما لا تملكه.

ويقابل ذلك أصل حرية القاضي في تكوين قناعته؛ فالمحاضر والتقارير التي ترفقها النيابة العامة أدلة تخضع لتقدير المحكمة، لا قيود على قضائها. وسلامة المحرر الرسمي من حيث الشكل لا تعني إلزام المحكمة بالنتيجة التي انتهى إليها محرره.

خامسًا: التطبيق القضائي

في القضية رقم 4471095859 لعام 1444هـ، أقامت جهة الادعاء دعوى عامة أمام الدائرة الابتدائية الأولى بالمحكمة التجارية بجدة بطلب معاقبة المدعى عليهم وفق نظام (قانون) العلامات التجارية لدول مجلس التعاون، فقضت الدائرة بالحكم رقم 4431058748 وتاريخ 23/12/1444هـ بعدم إدانة المتهمين، وأدرجت في منطوقها مؤسسة تجارية. ولما استُؤنف الحكم أيدته دائرة الاستئناف الثالثة بالمحكمة التجارية بجدة بالحكم رقم 4530209359، مع تعديل المنطوق؛ وعللت ذلك بقولها: «بحذف مؤسسة (...) للوجبات السريعة سجل تجاري: (...) من منطوق الحكم لكونها لا علاقة لها بالقضية ولم يرد اسمها في لائحة الدعوى العامة، كما أن الدائرة الابتدائية سألت ممثل المدعية عن علاقة المؤسسة المذكورة بالدعوى ولم يجب.»

فدلالة الحكم أن الحدّ الشخصي للدعوى ينضبط بلائحة الدعوى العامة، ولا يتوسع بمجرد ورود اسم المنشأة في الأوراق، ولو كان المنطوق بعدم الإدانة؛ لأن إدخال من لم تتصل به الدعوى في المنطوق، إدانةً أو براءةً، قضاء في غير خصومة.

وفي القضية رقم 4471249321 لعام 1444هـ بالمحكمة التجارية بجدة، رفضت الدائرة الابتدائية الأولى دعوى النيابة العامة في تقليد علامة تجارية بالحكم رقم 4530022202 وتاريخ 7/1/1445هـ، فاستأنفت النيابة متمسكة بأن محاضر الضبط وتقرير اللجنة الفنية محاضر رسمية لها حجية المحررات الرسمية. فأيدت دائرة الاستئناف التجارية الثالثة الحكم بالحكم رقم 4530220695، وقررت في أسبابها: «أنه من المتقرر أن المحكمة هي الخبير الأعلى وهي صاحبة الولاية والصلاحية في الدعوى برمتها وهي التي تقرر وتفند وتكيّف الدليل ومدى حجيته في اثبات الجريمة من عدمها»، وأضافت أن النيابة «قد اختلط عليها الامر في سلامة الدليل الرسمي من الناحية الشكلية وبين حجية الدليل الرسمي في الدعوى».

وفي المقابل، أيدت الدائرة ذاتها في القضية رقم 4471171132 لعام 1444هـ حكم الإدانة رقم 4431056065 وتاريخ 7/1/1445هـ بالحكم رقم 4530167393، ورأت أن العلم بالتقليد ثابت من قرينة السعر؛ إذ قالت: «تبين أن هناك فرقا في السعر بين المنتج محل الدعوى وبين المنتج الأصلي بحوالي 30% مما لا يصح معه نفي المدعى عليه للعلم لكونه تاجر ومثله لا يخفى عليه هذا الأمر». فالمحكمة في الحالين تُعمل سلطتها في تقدير الدليل، لكن داخل الواقعة والأشخاص الذين حددتهم اللائحة.

سادسًا: الإشكالات العملية

  • إدراج المنشأة مع مالكها: كثيرًا ما تُذكر المنشأة في محاضر الضبط دون أن تُعيَّن متهمةً في اللائحة؛ فالحكم عليها حينئذ مخالفة للحدّ الشخصي، وسبب اعتراض مستقل.
  • تعديل الوصف دون إبلاغ: إذا غيّرت المحكمة الوصف ولم تبلغ المتهم كما توجبه المادة الثامنة والخمسون بعد المائة فقد أخلّت بحق الدفاع، ويحسن بالمحامي إثبات ذلك في محضر الجلسة فورًا.
  • الاتهام الجديد في صورة وصف: إضافة واقعة مستقلة أو ظرف مشدد لم يرد في اللائحة ليست تعديلًا للوصف، بل تعديل للاتهام يلزمه إذن المحكمة للمدعي العام ومهلة دفاع وفق المادة التاسعة والخمسين بعد المائة.
  • التمسك بالمحضر الرسمي: حجية المحضر في صدوره وشكله لا تُلزم المحكمة بمضمونه في إثبات الجريمة؛ فالرد على هذا الدفع يكون ببيان التعارض بين المحضر وسائر الأدلة لا بإنكار رسميته.
  • أثر الحكم في دعوى لاحقة: الحكم بعدم الإدانة يمنع إعادة محاكمة المتهم المعيّن عن الأفعال نفسها وفق المادة السادسة والثمانين بعد المائة؛ فدقة تعيين المتهم والواقعة تحدد نطاق هذا المنع أيضًا.

سابعًا: الخلاصة والقواعد

  • ١- الدعوى الجزائية تتحدد شخصيًا بالمتهم المعيّن في لائحة الدعوى، ولا يُحكم على غيره ولا له.
  • ٢- المحكمة لا تتقيد بالوصف الوارد في اللائحة، ولها إعطاء الفعل وصفه المستحق، بشرط إبلاغ المتهم.
  • ٣- تعديل الاتهام عمل للادعاء يتم بإذن المحكمة قبل قفل باب المرافعة، مع منح المتهم فرصة كافية للدفاع.
  • ٤- المحاضر الرسمية أدلة تخضع لتقدير المحكمة، وسلامتها الشكلية لا تعني حجيتها في إثبات الجريمة.
  • ٥- القرائن التجارية كفارق السعر الكبير قد تكفي لإثبات العلم في جرائم التقليد بحق التاجر.

المراجع

  • نظام الإجراءات الجزائية، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/2) وتاريخ 22/1/1435هـ، المواد: 3، 15، 126، 158، 159، 160، 173، 186 — البوابة القانونية لوزارة العدل.
  • حكم دائرة الاستئناف الثالثة بالمحكمة التجارية بجدة رقم 4530209359، في القضية رقم 4471095859 لعام 1444هـ.
  • حكم دائرة الاستئناف التجارية الثالثة بالمحكمة التجارية بجدة رقم 4530220695، في القضية رقم 4471249321 لعام 1444هـ.
  • حكم دائرة الاستئناف الثالثة بالمحكمة التجارية بجدة رقم 4530167393، في القضية رقم 4471171132 لعام 1444هـ.

روابط ذات صلة في الموقع

  • صفحة نظام الإجراءات الجزائية: muathlaw.com/regulations/laws/criminal-procedure
  • حذف منشأة لم ترد في لائحة الدعوى العامة من منطوق الحكم: muathlaw.com/regulations/rulings/acquittal-entity-not-named-in-indictment-removed-from-judgment
  • المحكمة هي الخبير الأعلى ولا تلزمها المحاضر الرسمية: muathlaw.com/regulations/rulings/commercial-court-trademark-prosecution-court-is-supreme-expert
  • فارق السعر قرينة على علم التاجر بتقليد العلامة: muathlaw.com/regulations/rulings/trademark-counterfeit-knowledge-inferred-from-price-gap

شركة معاذ للمحاماة والاستشارات القانونية — دفاع جزائي ومرافعات أمام المحاكم التجارية والجزائية.

  • الــمحامــي ⚖️ مــعاذ عــتين
هذا المحتوى لأغراض التوعية العامة ولا يُعدّ استشارة قانونية في واقعة بعينها.
اطلب استشارة