+966 12 511 8667muath@muathlaw.comالأحد – الخميس، 9 صباحًا – 5 مساءً

الإكراه المُفسد للرضا في نظام المعاملات المدنية

2026-11-03

متى يكون الضغط الواقع على المتعاقد إكراهًا يجيز إبطال العقد، ومتى يبقى حاجة اقتصادية لا أثر لها؟ قراءة في المواد (64) إلى (67) من نظام المعاملات المدنية، وأركان الإكراه وعبء إثباته ومدد سقوط الحق في الإبطال، مع تطبيق قضائي حديث رفض الدفع بالإكراه في جدولة مستحقات عمالية.

يعود الموقِّع على تسوية أو جدولة أو تنازل إلى القضاء بعد أشهر، فيقول: وقّعتُ مكرهًا. وهذا الدفع من أكثر الدفوع تداولًا وأقلها نجاحًا؛ لأن كثيرًا من المتمسكين به يخلطون بين الضغط الاقتصادي المشروع والحاجة إلى المال من جهة، والإكراه الذي يفسد الرضا ويجيز إبطال العقد من جهة أخرى. وقد حسم نظام المعاملات المدنية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/191) وتاريخ 29/11/1444هـ هذه المسألة بنصوص منضبطة في المواد من (64) إلى (67)، وطبّقته المحاكم في أحكام حديثة. وتعالج هذه المقالة الإكراه: تكييفه، ونصوصه، وأركانه، وتطبيقه القضائي، وإشكالاته العملية.

أولاً: تحديد المسألة

المسألة محل البحث: متى يكون الضغط الواقع على أحد المتعاقدين إكراهًا معيبًا للإرادة يجيز له طلب إبطال العقد، ومتى يبقى مجرد ظرف ضاغط لا أثر له في صحة التصرف؟ وتتفرع عنها ثلاث مسائل عملية: من يتحمل عبء إثبات الإكراه، وما المهلة التي يجب أن يُرفع خلالها طلب الإبطال، وما الذي يُسقط هذا الحق ولو ثبت الإكراه.

ثانياً: التكييف النظامي

الإكراه عيب من عيوب الإرادة، وليس سببًا لانعدامها؛ فالمكرَه أراد العقد فعلًا، لكنه أراده تحت رهبة غير مشروعة أفسدت حرية اختياره. ولذلك لم يجعل النظام جزاءه البطلان المطلق، بل جعله قابلًا للإبطال لمصلحة المكرَه وحده، فيبقى العقد منتجًا لآثاره ما لم يطلب صاحب الحق إبطاله في المهلة النظامية. ويترتب على هذا التكييف أن المحكمة لا تقضي بالإبطال من تلقاء نفسها، وأن الحق فيه يسقط بالإجازة وبمضي المدة.

ثالثاً: النصوص النظامية

نصت المادة (64) من نظام المعاملات المدنية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/191) وتاريخ 29/11/1444هـ على أن:

«الإكراه تهديد شخصٍ دون حقٍّ بوسيلةٍ ماديَّةٍ أو معنويَّةٍ تُخيفه فتحمله على التصرف.»

ونصت المادة (65) على أنه: «يتحقق الإكراه إذا كان التهديد بخطرٍ جسيمٍ محدقٍ يلحق بنفس المكرَه أو عرضه أو ماله، أو كان التهديد مسلَّطاً على غيره ولم يكن المكرَه ليُبرم العقد لولا وجود الإكراه.»

ونصت المادة (66) على أنه: «يُراعى في تقدير الإكراه سن من وقع عليه الإكراه وحالته الاجتماعية والصحية وكل ظرف آخر من شأنه أن يؤثر في جسامة الإكراه.»

ونصت المادة (67) على أن: «١- للمُكرَه طلب إبطال العقد إذا صدر الإكراه من المتعاقد الآخر. ٢- إذا صدر الإكراه من غير المتعاقدين فليس للمُكرَه طلب إبطال العقد؛ ما لم يثبت أن المتعاقد الآخر كان يعلم بالإكراه أو كان من المفترض أن يعلم به.»

ويتصل بها نص المادة (68) في الاستغلال: «إذا استغل أحد المتعاقدين ضعفاً ظاهراً أو حاجة ملحة في المتعاقد الآخر، لإبرام عقدٍ لحقه منه غبنٌ، فللمحكمة بناءً على طلب المتعاقد المغبون ومراعاة لظروف الحال أن تنقص من التزاماته أو تزيد من التزامات المتعاقد الآخر أو تبطل العقد، ويجب أن ترفع الدعوى بذلك خلال (مائة وثمانين) يوماً من تاريخ التعاقد، وإلا امتنع سماعها.» ونص المادة (78): «يسقط الحق في طلب إبطال العقد بالإجازة الصريحة أو الضمنية إذا صدرت ممن له هذا الحق، وإذا أجاز العقد استندت الإجازة إلى وقت إبرامه.» ونص الفقرة (1) من المادة (79): «١- لا تسمع دعوى إبطال العقد إذا انقضت (سنة) من تاريخ العلم بسبب الإبطال، وإذا كان إبطال العقد لنقص الأهلية أو الإكراه فبانقضاء (سنة) من تاريخ اكتمال الأهلية أو زوال الإكراه. ٢- فيما عدا حال نقص الأهلية، لا تسمع دعوى إبطال العقد إذا انقضت (عشر) سنوات من تاريخ التعاقد.»

رابعاً: أركان الإكراه وشروطه

يُستخلص من النصوص المتقدمة أن الإكراه المعيب للرضا لا يقوم إلا باجتماع أربعة عناصر:

  • 1- التهديد دون حق: فالتهديد بوسيلة مشروعة للوصول إلى حق مشروع لا يُعد إكراهًا؛ كإنذار المدين بالتقاضي، أو امتناع الدائن عن الصرف إلا بعد تسوية الحساب، ما لم يُقصد به الوصول إلى ما يجاوز الحق.
  • 2- الرهبة: أن تُحدث الوسيلة المادية أو المعنوية خوفًا في نفس المتعاقد يحمله على التصرف، فإذا انعدم الخوف انعدم الإكراه ولو وُجد الضغط.
  • 3- جسامة الخطر وإحداقه: أن يكون الخطر جسيمًا محدقًا بالنفس أو العرض أو المال، أو مسلطًا على الغير، وتُقدَّر الجسامة تقديرًا شخصيًا بمراعاة السن والحالة الاجتماعية والصحية للمكرَه.
  • 4- السببية والصدور من المتعاقد: أن يكون الإكراه هو الدافع إلى التعاقد، وأن يصدر من المتعاقد الآخر، أو من الغير مع علم المتعاقد الآخر به أو افتراض علمه.

وعبء إثبات هذه العناصر على من يدعي الإكراه؛ لأن الأصل سلامة الرضا وصحة التصرف، ومن ادعى خلاف الظاهر فعليه البينة. ويُفرَّق هنا بين الإكراه والاستغلال: فالإكراه يقوم على الرهبة، والاستغلال يقوم على انتهاز ضعف ظاهر أو حاجة ملحة لإبرام عقد فيه غبن، وجزاؤه أوسع (الإنقاص أو الزيادة أو الإبطال) لكنه مقيد بمهلة (مائة وثمانين) يومًا من تاريخ التعاقد.

خامساً: التطبيق القضائي

في القضية رقم 4670514084 لعام 1446هـ أمام الدائرة التاسعة والثلاثين بالمحكمة العمالية بالرياض، انتهى عقد العامل بالتراضي، واتفق الطرفان على تسوية مستحقاته بمبلغ (269,553.28) ريالًا، ثم وقّع العامل جدولة لسداد المتبقي وقدره (246,831.28) ريالًا على أقساط شهرية. وأقام دعواه يطالب بالتعويض والأجور ومكافأة نهاية الخدمة، ودفع بأنه وقّع الجدولة مكرهًا لحاجته إلى المبلغ ولرفض المنشأة تسليمه أي مبلغ إلا بتوقيعها.

فقررت الدائرة أن «ما جرى بين الطرفين في حقيقته صلح يقتضي تأجيل سداد المبلغ إلى آجال محددة»، وأنه صحيح نظامًا بناءً على الفقرة (2) من المادة (397) من نظام المعاملات المدنية ونصها: «يصح الصلح على تأجيل الدين المدعى به أو بعضه دون زيادة، أو على تعجيله والحط منه.» واستشهدت بالمادة (64) في تعريف الإكراه بأنه «تهديد شخصٍ دون حقٍّ بوسيلةٍ ماديَّةٍ أو معنويَّةٍ تُخيفه فتحمله على التصرف»، ثم انتهت إلى أن ما ذكره المدعي ليس إكراهًا مؤثرًا في صحة العقد للأسباب الآتية: «1- انعدام الخوف . 2- انعدام التهديد بخطر جسيم. 3- انعدام العلاقة العمالية مع المدعى عليها حين التوقيع على الجدولة ومن ثم انعدام التبعية والإشراف. 4- وجود مستند تسوية تقر فيه المدعى عليها بالمبلغ للمدعي وكان يسعه أن يتقدم به أمام القضاء.»

وصدر الحكم برقم 4630475516 وتاريخ 23/05/1446هـ بعدم قبول الطلبات المالية المشمولة بالصلح، وإلزام المنشأة بتسليم شهادة الخدمة. وأيدته الدائرة العمالية الأولى بمحكمة الاستئناف بالرياض بالحكم رقم 4630607783 المحرر في 01/07/1446هـ، إذ قررت أنها «لم تجد فيما أورده المستأنِف في اعتراضه مايؤثر على الحكم المستأنَف»، وأن الحكم صحيح محمول على أسبابه.

وقيمة هذا الحكم أنه أنزل المادتين (64) و(65) على واقعة شائعة، ورسم معيارًا عمليًا من أربعة مؤشرات: الخوف، وجسامة الخطر، وقيام علاقة التبعية وقت التوقيع، ووجود طريق مشروع بديل أمام المدعي. فمن كان بيده مستند يقر له بالحق وكان يسعه أن يقاضي به، لا يُقبل منه القول إنه لم يجد بدًّا من التوقيع.

سادساً: الإشكالات العملية

الإشكال الأول: الحاجة الاقتصادية. حاجة المتعاقد إلى المال، أو ضيق حاله، أو خشيته من طول التقاضي، لا تُعد بذاتها إكراهًا؛ لأن الإكراه يقتضي تهديدًا دون حق صادرًا من الطرف الآخر، والحاجة ظرف ذاتي لا فعل فيه للمتعاقد الآخر. وإن قام في الواقعة استغلال لحاجة ملحة أفضى إلى غبن، فالطريق هو دعوى الاستغلال في المادة (68) لا دفع الإكراه، مع مراعاة مهلة المائة والثمانين يومًا.

الإشكال الثاني: الإكراه في علاقة التبعية. التهديد الصادر من صاحب العمل أثناء قيام العلاقة أقرب إلى التأثير في الإرادة من التهديد بعد انتهائها؛ ولذلك عدّت المحكمة انتهاء العلاقة وقت التوقيع قرينة على انتفاء الإكراه. ومقتضاه أن التنازلات والمخالصات الموقعة أثناء سريان العقد تستحق فحصًا أدق.

الإشكال الثالث: الإجازة اللاحقة والسكوت. قبض الأقساط بعد زوال الضغط، أو المطالبة بتنفيذ الجدولة، أو الاستمرار في تنفيذ العقد دون تحفظ، كلها قد تُعد إجازة ضمنية تُسقط الحق في الإبطال وفق المادة (78)، وتستند الإجازة إلى وقت إبرام العقد.

الإشكال الرابع: المدة. لا تُسمع دعوى الإبطال للإكراه بانقضاء سنة من تاريخ زوال الإكراه، ولا بعد عشر سنوات من تاريخ التعاقد في جميع الأحوال، ويجوز لذي المصلحة أن يُعذر صاحب الحق ليبدي رغبته في الإجازة أو الإبطال خلال مهلة لا تقل عن تسعين يومًا وفق المادة (80)، فإذا سكت بلا عذر سقط حقه.

الإشكال الخامس: الطريق الإجرائي. الإكراه يُثار في صورة دعوى إبطال أو طلب عارض أو دفع موضوعي في مواجهة المطالبة بتنفيذ العقد، وفي كل الأحوال يجب أن يُقدَّم معه دليله: رسائل التهديد، وتسلسل الوقائع الزمني، وشهود الواقعة، وما يثبت انعدام البديل المشروع. ورسائل الواتساب والبريد الإلكتروني المعاصرة للتوقيع هي في الغالب الدليل الحاسم إثباتًا أو نفيًا.

سابعاً: الخلاصة والقواعد المستخلصة

  • 1- الإكراه عيب في الرضا يجعل العقد قابلًا للإبطال لمصلحة المكرَه، ولا يقضي به القاضي من تلقاء نفسه.
  • 2- لا يقوم الإكراه إلا بتهديد دون حق، يولّد رهبة، بخطر جسيم محدق، يكون هو الدافع إلى التعاقد.
  • 3- الحاجة إلى المال وامتناع الطرف الآخر عن الصرف إلا بالتسوية ليسا إكراهًا متى كان أمام المتعاقد طريق قضائي مشروع.
  • 4- جدولة الدين المستحق دون زيادة صلح صحيح ملزم وفق المادة (397/2).
  • 5- عبء إثبات الإكراه على مدعيه، والأصل سلامة الرضا.
  • 6- يسقط الحق في الإبطال بالإجازة الصريحة أو الضمنية، وبمضي سنة من زوال الإكراه، وبمضي عشر سنوات من التعاقد.
  • 7- استغلال الحاجة الملحة المفضي إلى غبن طريقه دعوى الاستغلال خلال مائة وثمانين يومًا لا دفع الإكراه.

المراجع

  • 1- نظام المعاملات المدنية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/191) وتاريخ 29/11/1444هـ، المواد (64) إلى (68) و(78) و(79) و(80) و(94) و(397).
  • 2- حكم الدائرة التاسعة والثلاثين بالمحكمة العمالية بالرياض رقم 4630475516 وتاريخ 23/05/1446هـ في القضية رقم 4670514084، المؤيد بحكم الدائرة العمالية الأولى بمحكمة الاستئناف بالرياض رقم 4630607783 المحرر في 01/07/1446هـ (بوابة الأحكام القضائية بوزارة العدل).

شركة معاذ للمحاماة والاستشارات القانونية تتولى دراسة التسويات والمخالصات وعقود التنازل، وتقدير مدى قابليتها للإبطال، وتمثيل الأطراف في دعاوى الإبطال والدفع بها أمام المحاكم. أحكام يتناولها هذا المقال والمنشورة في الموقع: • «تسوية المستحقات العمالية بالتقسيط صلح صحيح: ودفع العامل بالإكراه لا يُقبل دون تهديد جسيم» — الحكم رقم (4630475516). تجد هذه الأحكام بأسمائها وأرقامها في قسم الأنظمة والأحكام القضائية.

  • الــمحامــي ⚖️ مــعاذ عــتين

الخدمات القانونية

هذا المحتوى لأغراض التوعية العامة ولا يُعدّ استشارة قانونية في واقعة بعينها.
اطلب استشارة