بحث في الطلبات العارضة وفق المواد (82) إلى (85) من نظام المرافعات الشرعية: من يملك تقديمها، وصورها المحصورة للمدعي والمدعى عليه، وشكلها وميعادها قبل إقفال باب المرافعة، وسلطة المحكمة في ضمها إلى الدعوى الأصلية أو استبقائها، مع تطبيقات قضائية في طلب المقاصة القضائية والطلب المستلزم بحثًا مستقلًا.

أولًا: تحديد المسألة محل البحث
الأصل أن نطاق الخصومة يتحدد بصحيفة الدعوى، فلا تفصل المحكمة إلا فيما طُلب منها. غير أن النزاع قد يكشف أثناء نظره عن طلبات جديدة يقتضي حسن سير العدالة الفصل فيها مع الدعوى الأصلية، كتعديل المدعي طلبه لظرف طرأ، أو مطالبة المدعى عليه بمقاصة دين له في ذمة المدعي. ويتناول هذا البحث الطلبات العارضة: من يملك تقديمها، وما صورها، وكيف تُقدَّم، ومتى يمتنع قبولها، وما سلطة المحكمة إزاءها، مع بيان موقف القضاء من الخلط بين الدفع بالمقاصة وطلب المقاصة القضائية.
ثانيًا: التكييف النظامي
الطلب العارض طلب يُبدى أثناء سير الخصومة فيوسّع نطاقها أو يعدّله، ويستمد قبوله من ارتباطه بالدعوى الأصلية. وهو يختلف عن الدفع؛ فالدفع وسيلة يرد بها الخصم طلب خصمه، أما الطلب العارض فيطلب به مقدمه الحكم له بشيء، فيأخذ حكم الدعوى في وجوب تقديمه بالطريق المرسوم. وقد نظم نظام المرافعات الشرعية هذه الطلبات في المواد (82) إلى (85)، فبيّن شكلها وميعادها، وحصر صورها لكل من المدعي والمدعى عليه، وحدد سلطة المحكمة في الفصل فيها.
ثالثًا: النصوص النظامية
نصت المادة (الثانية والثمانون) من نظام المرافعات الشرعية، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/1) وتاريخ 22/1/1435هـ، على أن: «تقدم الطلبات العارضة من المدعي أو المدعى عليه بصحيفة تبلغ للخصوم قبل يوم الجلسة وفقاً للإجراءات المعتادة لرفع الدعوى، أو بطلب يقدم شفهياً في الجلسة في حضور الخصم، ويثبت في محضرها. ولا تقبل الطلبات العارضة بعد إقفال باب المرافعة».
ونصت المادة (الثالثة والثمانون) على أن: «للمدعي أن يقدم من الطلبات العارضة ما يأتي: أ- ما يتضمن تصحيح الطلب الأصلي، أو تعديل موضوعه لمواجهة ظروف طرأت أو تبينت بعد رفع الدعوى. ب- ما يكون مكملاً للطلب الأصلي، أو مترتباً عليه، أو متصلاً به اتصالاً لا يقبل التجزئة. ج- ما يتضمن إضافة أو تغييراً في سبب الدعوى مع إبقاء موضوع الطلب الأصلي على حاله. د- طلب الأمر بإجراء تحفظي أو وقتي. هـ- ما تأذن المحكمة بتقديمه مما يكون مرتبطاً بالطلب الأصلي».
ونصت المادة (الرابعة والثمانون) على أن: «للمدعى عليه أن يقدم من الطلبات العارضة ما يأتي : أ- طلب المقاصة القضائية. ب- طلب الحكم له بتعويض عن ضرر لحقه من الدعوى الأصلية، أو من إجراء فيها. ج- أي طلب يترتب على إجابته ألا يحكم للمدعي بطلباته كلها أو بعضها، أو أن يحكم له بها مقيدة بقيد لمصلحة المدعى عليه. د- أي طلب يكون متصلاً بالدعوى الأصلية اتصالاً لا يقبل التجزئة. هـ- ما تأذن المحكمة بتقديمه مما يكون مرتبطاً بالدعوى الأصلية».
ونصت المادة (الخامسة والثمانون) على أن: «تحكم المحكمة في موضوع الطلبات العارضة مع الدعوى الأصلية كلما أمكن ذلك، وإلا استبقت الطلب العارض للحكم فيه بعد تحقيقه».
«ولا تقبل الطلبات العارضة بعد إقفال باب المرافعة» — المادة (82) من نظام المرافعات الشرعية
رابعًا: شروط قبول الطلب العارض
يُستخلص من النصوص المتقدمة أن قبول الطلب العارض يقوم على شروط أربعة:
- الشرط الأول: صفة المقدِّم؛ فالطلب العارض لا يقدمه إلا خصم في الدعوى، المدعي في الصور التي عددتها المادة (83)، والمدعى عليه في الصور التي عددتها المادة (84). أما الغير فطريقه التدخل أو الإدخال لا الطلب العارض.
- الشرط الثاني: الارتباط بالدعوى الأصلية؛ فالصور الواردة في المادتين جميعها مرتبطة بالطلب الأصلي، والصورة الأخيرة في كل منهما مقيدة بأن يكون الطلب «مرتبطاً» بالطلب الأصلي أو بالدعوى الأصلية، ومعلقة على إذن المحكمة.
- الشرط الثالث: الشكل؛ إذ يُقدَّم الطلب بصحيفة تبلغ للخصوم قبل يوم الجلسة وفق الإجراءات المعتادة لرفع الدعوى، أو شفهيًا في الجلسة في حضور الخصم ويُثبت في محضرها.
- الشرط الرابع: الميعاد؛ فلا يُقبل الطلب العارض بعد إقفال باب المرافعة، ومؤدى ذلك أنه لا يُبدى ابتداءً أمام محكمة الاستئناف بعد صدور الحكم الابتدائي.
خامسًا: صور الطلبات العارضة
طلبات المدعي العارضة تدور حول طلبه الأصلي: تصحيحه أو تعديل موضوعه لظرف طرأ أو تبيّن بعد رفع الدعوى، أو ما يكمله أو يترتب عليه أو يتصل به اتصالًا لا يقبل التجزئة، أو تغيير السبب مع بقاء الموضوع، أو طلب إجراء تحفظي أو وقتي. فالمدعي الذي طالب بأجرة مدة معينة ثم استحقت أجرة مدة لاحقة أثناء نظر الدعوى يقدّمها طلبًا مكملًا، دون حاجة إلى دعوى جديدة.
وطلبات المدعى عليه العارضة أوسع أثرًا؛ إذ قد تنتهي إلى ألا يُحكم للمدعي بشيء. وأبرزها طلب المقاصة القضائية الذي يتمسك به المدعى عليه بدين له في ذمة المدعي، وطلب التعويض عن ضرر لحقه من الدعوى الأصلية أو من إجراء فيها، وكل طلب يترتب على إجابته ألا يُحكم للمدعي بطلباته أو أن يُحكم له بها مقيدة لمصلحة المدعى عليه.
سادسًا: سلطة المحكمة في الفصل في الطلب العارض
أوجبت المادة (85) على المحكمة أن تحكم في الطلب العارض مع الدعوى الأصلية كلما أمكن ذلك؛ تحقيقًا لوحدة الخصومة واقتصادًا في الإجراءات. فإن تعذّر ذلك لحاجة الطلب العارض إلى تحقيق، فصلت في الدعوى الأصلية واستبقت الطلب العارض للحكم فيه بعد تحقيقه. وفي الصور المعلقة على إذن المحكمة يكون لها تقدير الارتباط، فلا تأذن بطلب يُثقل الخصومة دون أن يتوقف عليه الفصل في الدعوى الأصلية.
سابعًا: التطبيق القضائي
في الحكم الصادر من الدائرة الرابعة بالمحكمة التجارية بالدمام برقم (4630118262) وتاريخ 12/2/1446هـ، المؤيد بحكم دائرة الاستئناف الثانية بالمنطقة الشرقية رقم (4630351832)، طالبت شركة بأجرة آلة أجّرتها لشركة مقاولات، فأقر وكيل المدعى عليها بالمطالبة وطلب المقاصة بمبالغ قال إنها لموكلته في ذمة المدعية، ثم نعى على الحكم الابتدائي إغفاله طلب المقاصة القضائية. فقررت دائرة الاستئناف أن «المستأنفة ولئن دفعت بوجود مستحقات لها في ذمة المستأنف ضدها فإنها لم تقدم طلباً عارضاً بذلك بصفة رسمية عبر النظام»، وأن «نظر طلب المستأنفة في مرحلة الاستئناف والحال كذلك سيؤدي لزوماً إلى تفويت درجة من درجات التقاضي فيما يخصه»، مع «تأكيدها على أحقية المستأنفة بالمطالبة بما يخص مستحقاتها في دعوى مستقلة». فالتمسك بالمقاصة في الجواب لا يغني عن تقديم طلب عارض بها.
وفي الحكم الصادر من الدائرة العاشرة بالمحكمة التجارية بالرياض برقم (4530138566) وتاريخ 26/02/1445هـ، المؤيد بحكم دائرة الاستئناف رقم (4530388725)، تقدم المدعى عليه في دعوى استرداد رأس مال شراكة بطلبات عارضة بإلزام المدعي بنصيبه فيما دُفع في الشراكة وبأتعاب المحاماة، فقضت الدائرة بعدم قبولها «إذ أن بحث كل هذا يستلزم بحثاً مستقلاً من شأنه تطويل أمد هذه القضية ولا يلزم من الفصل فيها بحث هذه الطلبات». وهذا إعمال لسلطة المحكمة في تقدير الارتباط وفي حسن سير الخصومة.
وفي شأن ميعاد المرافعة، قضت الدائرة الخامسة بالمحكمة التجارية بالرياض في الحكم رقم (4430909779) وتاريخ 04/11/1444هـ، المؤيد بحكم دائرة الاستئناف رقم (4431077916)، برفض طلب سماع شاهد قُدِّم في آخر جلسة؛ لأن «المدد النظامية في المرافعة قد استوفتها المدعى عليها». والحكم وإن تعلق بطلب إثبات لا بطلب عارض، فإنه يكشف المنهج القضائي في رفض ما يُبدى بعد استنفاد مدد المرافعة، وهو المنهج ذاته الذي قررته المادة (82) في الطلبات العارضة.
ثامنًا: إشكالات عملية
الإشكال الأول: الدفع بالمقاصة أم طلب المقاصة القضائية. ذِكر الدين المقابل في مذكرة الجواب لا يجعل المحكمة ملزمة بالفصل فيه؛ فإن أراد المدعى عليه الحكم له به أو خصمه من المطالبة وجب عليه تقديمه طلبًا عارضًا وفق المادتين (82) و(84/أ)، وهذا ما قررته دائرة الاستئناف في الحكم رقم (4630351832)، مستندة كذلك إلى تعميم يقضي بتقديم الطلبات عبر بوابة ناجز.
الإشكال الثاني: إبداء الطلب لأول مرة في الاستئناف. يمتنع ذلك لنص المادة (82) على عدم قبول الطلبات العارضة بعد إقفال باب المرافعة، ولأن نظره يفوّت على الخصم درجة من درجات التقاضي، مع بقاء حق صاحبه في رفع دعوى مستقلة.
الإشكال الثالث: الطلب العارض الذي يستلزم تحقيقًا مستقلًا. للمحكمة أن تستبقيه بعد الفصل في الدعوى الأصلية وفق المادة (85)، أو ألا تقبله إذا لم يتوقف عليه الفصل في الدعوى الأصلية وكان من شأنه تطويل أمدها، كما في الحكم رقم (4530138566).
الإشكال الرابع: طلب التعويض عن الدعوى ذاتها. أجازت المادة (84/ب) للمدعى عليه طلب التعويض عن ضرر لحقه من الدعوى الأصلية أو من إجراء فيها، فيقدّمه طلبًا عارضًا في الخصومة ذاتها، ويُفصل فيه بحسب ما يثبت من خطأ في رفع الدعوى أو في إجراءاتها.
تاسعًا: الخلاصة والقواعد المستخلصة
- 1. الطلب العارض يُقدَّم بصحيفة تبلغ قبل يوم الجلسة أو شفهيًا في الجلسة ويُثبت في محضرها (المادة 82 من نظام المرافعات الشرعية).
- 2. لا يُقبل الطلب العارض بعد إقفال باب المرافعة، ولا يُبدى ابتداءً في الاستئناف (المادة 82؛ الحكم رقم 4630351832).
- 3. صور الطلبات العارضة محصورة: للمدعي في المادة 83، وللمدعى عليه في المادة 84، والصورة الأخيرة في كل منهما معلقة على إذن المحكمة وارتباط الطلب (المادتان 83 و84).
- 4. المقاصة القضائية طلب عارض لا دفع، فلا تلتزم المحكمة بالفصل فيها ما لم تُقدَّم بطريقها النظامي (المادة 84/أ؛ الحكم رقم 4630118262 / 4630351832).
- 5. تحكم المحكمة في الطلب العارض مع الدعوى الأصلية متى أمكن، وإلا استبقته للحكم فيه بعد تحقيقه (المادة 85).
- 6. للمحكمة ألا تقبل الطلب العارض الذي يستلزم بحثًا مستقلًا يطيل أمد الخصومة دون أن يتوقف عليه الفصل في الدعوى (الحكم رقم 4530138566 / 4530388725).
المراجع
- نظام المرافعات الشرعية، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/1) وتاريخ 22/1/1435هـ: المواد (82) و(83) و(84) و(85).
- حكم دائرة الاستئناف الثانية بالمنطقة الشرقية رقم (4630351832)، المؤيد لحكم الدائرة الرابعة بالمحكمة التجارية بالدمام رقم (4630118262) وتاريخ 12/2/1446هـ.
- حكم دائرة الاستئناف بالمحكمة التجارية بالرياض رقم (4530388725)، المؤيد لحكم الدائرة العاشرة رقم (4530138566) وتاريخ 26/02/1445هـ.
- حكم دائرة الاستئناف بالمحكمة التجارية بالرياض رقم (4431077916)، المؤيد لحكم الدائرة الخامسة رقم (4430909779) وتاريخ 04/11/1444هـ.
- المركز الوطني للأنظمة واللوائح — نص نظام المرافعات الشرعية (عبر qadipro.ai/laws).
شركة معاذ للمحاماة والاستشارات القانونية تتولى إعداد الطلبات العارضة والدفوع في الدعاوى التجارية والمدنية أمام المحاكم ودوائر الاستئناف. أحكام يتناولها هذا المقال والمنشورة في الموقع: • «الشاهد المتأخر بعد استيفاء مدد المرافعة لا يُسمع إلا بإذن المحكمة، والتسليم لغير من دفع الثمن لا يبرئ الذمة» — الحكم رقم (4430909779). • «لا يُقبل الإقرار الذي يكذبه ظاهر الحال، والطلب العارض المستلزم بحثًا مستقلًا لا يُقبل» — الحكم رقم (4530138566). • «الدفع بالمقاصة دون طلب عارض مقيد لا يلزم المحكمة بالفصل فيه» — الحكم رقم (4630118262). تجد هذه الأحكام بأسمائها وأرقامها في قسم الأنظمة والأحكام القضائية.
- الــمحامــي ⚖️ مــعاذ عــتين
