بحث في استجواب الخصوم وفق المواد (20) إلى (24) من نظام الإثبات: من يملك الاستجواب، ومن يُستجوب عن ناقص الأهلية والشخص الاعتباري، ووجوب حضور الأصيل، وأثر التخلف عن الاستجواب أو الامتناع عن الجواب قرينةً تستخلصها المحكمة وتفتح باب الإثبات بالشهادة والقرائن، مع تطبيقات حديثة من أحكام المحكمة التجارية بالرياض والمحكمة العمالية بجدة.

يقف القاضي أحيانًا أمام دعوى مكتملة الأوراق ناقصة الحقيقة: مستندات متعارضة، ووكلاء يُحسنون الصياغة، وأصيل غائب لا يُسمع صوته. وفي هذا الموضع يبرز الاستجواب أداةً إجرائية مستقلة في نظام الإثبات، تُمكّن المحكمة من مواجهة الخصم بالأسئلة مباشرة، وتجعل لامتناعه عن الحضور أو الجواب أثرًا في الإثبات قد يحسم النزاع. وتتناول هذه المقالة الاستجواب من حيث تكييفه ونصوصه وشروطه وأثر التخلف عنه، ثم تطبيقاته في أحكام حديثة لمحاكم الاستئناف.
أولاً: تحديد المسألة
المسألة محل البحث أربعة أسئلة متصلة: متى يجوز للمحكمة أن تستجوب الخصم؟ ومن يُستجوب إذا كان الخصم ناقص الأهلية أو شخصًا اعتباريًا؟ وما الأثر النظامي لتخلف الخصم عن الحضور للاستجواب أو امتناعه عن الإجابة؟ وهل يُغني حضور الوكيل عن حضور الأصيل متى قررت المحكمة استجوابه؟ والجواب عنها يحدد مصير دعاوى كثيرة تُبنى على أوراق متقابلة ولا يفصل فيها إلا ما يقوله الخصم بنفسه أو ما يدل عليه سكوته.
ثانياً: التكييف النظامي للاستجواب
الاستجواب إجراء من إجراءات الإثبات، غايته الحصول على إقرار من الخصم، أو استخلاص قرينة من إجابته أو من امتناعه. وهو يفترق عن الإقرار في أن الإقرار تصرف يصدر من المقر بإرادته ابتداءً، بينما الاستجواب أداة بيد المحكمة أو الخصم لاستدراج الإقرار أو كشف التناقض. ويفترق عن اليمين في أن اليمين تحسم النزاع أو تكمل الدليل بذمة الحالف، أما الاستجواب فلا يلزم منه الحسم، وإنما يُنتج ما تستخلصه المحكمة من الجواب أو من السكوت. وقد أورده نظام الإثبات الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/43) وتاريخ 26/5/1443هـ عقب أحكام الإقرار في المواد (20) إلى (24)، وجعله في المادة (11) أحد إجراءات الإثبات التي تتم أمام المحكمة.
ثالثاً: النصوص النظامية
نصت المادة (11) من نظام الإثبات على أن: «تكون إجراءات الإثبات من إقرار أو استجواب أو أداء للشهادة أو اليمين أمام المحكمة، فإن تعذر فللمحكمة أن تنتقل أو تكلف أحد قضاتها بذلك.» ونصت المادة (20) على أن: «للمحكمة -من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم- أن تستجوب من يكون حاضراً من الخصوم.» ثم قررت: «لأي من الخصوم استجواب خصمه مباشرة.»
ونصت المادة (21) في فقرتها الأولى على أن: «للمحكمة -من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم- أن تأمر بحضور الخصم لاستجوابه، ويجب على من تقرر استجوابه أن يحضر الجلسة المحددة لذلك.» ثم قررت الفقرة (2) القاعدة الجوهرية في هذا الباب:
«إذا تخلف الخصم عن الحضور للاستجواب بغير عذر مقبول، أو امتنع عن الإجابة بغير مسوّغ معتبر، استخلصت المحكمة ما تراه من ذلك، وجاز لها أن تقبل الإثبات بشهادة الشهود والقرائن في الأحوال التي لا يجوز فيها ذلك.» — المادة (21/2) من نظام الإثبات
وأضافت الفقرة (3) من المادة ذاتها: «يسري حكم الفقرة (٢) من هذه المادة على من تخلف عن الحضور في الدعوى أو امتنع عن الإجابة عنها.» ونصت المادة (22) على أنه: «إذا كان الخصم عديم الأهلية أو ناقصها فيستجوب من ينوب عنه، ويجوز للمحكمة مناقشته هو إن كان مميزاً في الأمور المأذون له فيها، ويكون استجواب الشخص ذي الصفة الاعتبارية عن طريق من يمثله نظاماً. وفي جميع الأحوال يشترط أن يكون المراد استجوابه أهلاً للتصرف في الحق المتنازع فيه.»
ونصت المادة (23) على أن: «تكون الإجابة في الجلسة نفسها إلا إذا رأت المحكمة إعطاء موعد للإجابة. تكون الإجابة في مواجهة من طلب الاستجواب، ولا يتوقف الاستجواب على حضوره.» ونصت المادة (24) على أن: «للخصم الاعتراض على سؤال وجِّه إليه، وعليه أن يبين وجه اعتراضه. على المحكمة منع كل سؤال غير متعلق بالدعوى أو غير منتج فيها أو غير جائز قبوله.»
رابعاً: شروط الاستجواب وضوابطه
- المبادرة: تملك المحكمة الاستجواب من تلقاء نفسها أو بطلب أحد الخصوم، ويملك الخصم استجواب خصمه مباشرة؛ فلا يتوقف الإجراء على طلب المدعي وحده (المادة (20)).
- الأمر بالحضور: إذا قررت المحكمة استجواب خصم غير حاضر وجب عليه أن يحضر الجلسة المحددة، والوجوب منصرف إلى «من تقرر استجوابه» بنفسه لا إلى وكيله (المادة (21)).
- الأهلية والتمثيل: يُستجوب عن عديم الأهلية أو ناقصها من ينوب عنه، وعن الشخص الاعتباري من يمثله نظامًا، ويشترط في جميع الأحوال أن يكون المستجوب أهلًا للتصرف في الحق المتنازع فيه (المادة (22)).
- المواجهة والفورية: الأصل أن تكون الإجابة في الجلسة نفسها وفي مواجهة طالب الاستجواب، ولا يتعطل الاستجواب بغيابه (المادة (23)).
- الإنتاجية: تمنع المحكمة كل سؤال غير متعلق بالدعوى أو غير منتج فيها أو غير جائز قبوله، وللخصم أن يعترض مبينًا وجه اعتراضه (المادة (24)).
- الوسيلة: يجوز اتخاذ الاستجواب إلكترونيًا وتكون له الأحكام المقررة في النظام (المادة (10))، فإن تعذر ذلك وكان المستجوب مقيمًا خارج نطاق اختصاص المحكمة استخلفت محكمة مكان إقامته (المادة (11)).
والأثر المقرر في الفقرة (2) من المادة (21) أثر مزدوج: الأول موضوعي، وهو أن تستخلص المحكمة من التخلف أو الامتناع ما تراه، أي قرينة قضائية تقدّر وزنها بحسب ظروف الدعوى؛ والثاني إجرائي، وهو توسيع طرق الإثبات بقبول شهادة الشهود والقرائن في الأحوال التي لا يجوز فيها ذلك أصلًا، كإثبات ما يجاوز النصاب أو ما يخالف الثابت بالكتابة. ومدّت الفقرة (3) هذا الأثر إلى من تخلف عن الحضور في الدعوى كلها أو امتنع عن الإجابة عنها، فصار الصمت في الدعوى ذاته قرينة، لا مجرد إسقاط لحق الدفاع.
خامساً: التطبيق القضائي
1- في القضية رقم 4571461832 لدى المحكمة التجارية بالرياض، صدر حكم الدائرة التجارية الخامسة رقم 4630123323 وتاريخ 21/02/1446هـ، وأيدته دائرة الاستئناف الرابعة بالحكم رقم 4630306948 بتاريخ 11/04/1446هـ. طالبت مؤجرة مستأجرًا بأجرة ثماني شاحنات قدرها 892,000 ريال، فطعن بتزوير توقيعه على العقد. طلبت الدائرة حضوره أصالة لاستجوابه وفق المادة (21)، فبُلّغ إلكترونيًا ولم يحضر، فقررت أن «غياب المدعى عليه اصالة عن الحضور للاستجواب تستخلص الدائرة منه ومن العقد صحة دعوى المدعي». وأضافت دائرة الاستئناف أن «السكوت في معرض الحاجة الي بيان بيان»، وأن «الطعن بتزوير التوقيع ينقضه صحة الختم إذ هو كاف في الاثبات». ودلالة الحكم أن القرينة المستخلصة من الغياب لم تقم وحدها، بل ضُمّت إلى العقد المختوم فاكتمل بها الدليل.
2- وفي القضية رقم 4670636076 لدى المحكمة التجارية بالرياض، صدر حكم الدائرة التجارية الثانية والعشرين رقم 4630555658 وتاريخ 22/06/1446هـ، وأيدته دائرة الاستئناف الرابعة بالحكم رقم 4630750515 بتاريخ 18/08/1446هـ. امتنع المدعى عليه عن الجواب ولم يتقدم بعذر مقبول، فنقلت الدائرة نص الفقرتين (2) و(3) من المادة (21) وأعملتهما، وبنت على الامتناع وعلى خطاب التعميد والعقد المختوم ونموذج تسليم الخدمة والفاتورة إلزامه بمبلغ 236,937.09 ريالًا. وهذا تطبيق صريح لامتداد أثر التخلف عن الاستجواب إلى الامتناع عن الجواب في الدعوى كلها.
3- وفي حكم الدائرة العمالية الثالثة عشرة بالمحكمة العمالية بجدة رقم 4630907828 وتاريخ 16/10/1446هـ، المؤيد بحكم الاستئناف رقم 4631060730، طالب عامل بأجر شهر كامل مدعيًا أنه عمل دون انقطاع، فطلبته الدائرة أصالة لمناقشته واستجوابه، وثبت في الأسباب أنه «امتنع المدعي أصالةً عن الحضور للمناقشة والاستجواب دون سبب مشروع»؛ فاستندت الدائرة إلى الفقرة (2) من المادة (21) وعدّت ذلك مؤكدًا لتمتعه بإجازات مرضية خلال الفترة، ولم تقبل شهادة شهوده لكونها «معارضة بدليل كتابي». وتمسك العامل في استئنافه بأن الوكيل يمثل موكله تمثيلًا تامًا، فلم يُغنِ عنه ذلك، وأُيد الحكم.
سادساً: الإشكالات العملية
- حضور الوكيل لا يُغني عن الأصيل متى أمرت المحكمة بحضور الأصيل للاستجواب؛ فالوكالة بالخصومة تنقل سلطة الإجراء، ولا تنقل علم الأصيل بالوقائع.
- القرينة المستخلصة من التخلف قرينة قضائية تقديرية لا قاطعة؛ والأحكام المتقدمة لم تبنِ عليها منفردة، بل ضمّتها إلى محرر أو بينة كتابية.
- العذر المقبول عبء على المتخلف؛ فمن كان مريضًا أو مسافرًا فعليه إثبات العذر قبل الجلسة أو فيها، أو طلب الاستجواب إلكترونيًا بدل التخلف.
- الاعتراض على السؤال يُستعمل بدقة؛ فالمادة (24) تلزم المعترض ببيان وجه اعتراضه، والسكوت دون اعتراض مسبب يُعامل امتناعًا بغير مسوّغ.
- الشخص الاعتباري يُستجوب عن طريق ممثله النظامي؛ فإن أرسلت الشركة من لا يعلم الوقائع فلم يُجب، جاز للمحكمة أن تستخلص من ذلك ما تراه.
- الاستجواب سلاح للمدعى عليه أيضًا؛ فإذا قامت الدعوى على أقوال مرسلة، كشف طلب استجواب المدعي أصالة تناقضه، أو أنتج قرينة ضده إن تخلف.
سابعاً: الخلاصة والقواعد
- 1- الاستجواب إجراء إثبات مستقل تملكه المحكمة من تلقاء نفسها، ويملكه الخصم في مواجهة خصمه مباشرة.
- 2- يجب على من تقرر استجوابه أن يحضر بنفسه الجلسة المحددة، ولا يقوم الوكيل مقامه في ذلك.
- 3- التخلف عن الاستجواب أو الامتناع عن الإجابة بغير عذر مقبول يُنتج قرينة تستخلصها المحكمة، ويفتح باب الإثبات بالشهادة والقرائن فيما لا تجوز فيه أصلًا.
- 4- يمتد هذا الأثر إلى من تخلف عن الحضور في الدعوى أو امتنع عن الإجابة عنها.
- 5- يُستجوب عن عديم الأهلية نائبه، وعن الشخص الاعتباري ممثله النظامي، بشرط الأهلية للتصرف في الحق المتنازع فيه.
- 6- تمنع المحكمة السؤال غير المتعلق بالدعوى أو غير المنتج أو غير الجائز، ويبين المعترض وجه اعتراضه.
- 7- القرينة المستخلصة من التخلف تقديرية، وأقوى ما تكون إذا انضمت إلى محرر أو بينة كتابية.
المراجع
- نظام الإثبات، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/43) وتاريخ 26/5/1443هـ: المواد (10) و(11) و(20) إلى (24).
- حكم الدائرة التجارية الخامسة بالمحكمة التجارية بالرياض رقم 4630123323 وتاريخ 21/02/1446هـ، المؤيد بحكم الاستئناف رقم 4630306948.
- حكم الدائرة التجارية الثانية والعشرين بالمحكمة التجارية بالرياض رقم 4630555658 وتاريخ 22/06/1446هـ، المؤيد بحكم الاستئناف رقم 4630750515.
- حكم الدائرة العمالية الثالثة عشرة بالمحكمة العمالية بجدة رقم 4630907828 وتاريخ 16/10/1446هـ، المؤيد بحكم الاستئناف رقم 4631060730.
- البوابة القانونية لوزارة العدل — الأحكام القضائية.
شركة معاذ للمحاماة والاستشارات القانونية تتولى إعداد طلبات الاستجواب والاعتراض على الأسئلة وتوظيف قرائن التخلف في المنازعات التجارية والعمالية. أحكام يتناولها هذا المقال والمنشورة في الموقع: • «الامتناع عن الجواب وعدم الاعتراض على الفواتير في حينها يُثبتان الدين» — الحكم رقم (4630555658). • «التخلف عن الاستجواب قرينة، والطعن في التوقيع لا ينقض حجية الختم الصحيح» — الحكم رقم (4630123323). • «أجر الإجازة المرضية وحجية البريد الإلكتروني: تناقض العامل في الاحتجاج بمراسلاته غير مقبول» — الحكم رقم (4630907828). تجد هذه الأحكام بأسمائها وأرقامها في قسم الأنظمة والأحكام القضائية.
- الــمحامــي ⚖️ مــعاذ عــتين
