+966 12 511 8667muath@muathlaw.comالأحد – الخميس، 9 صباحًا – 5 مساءً

القرائن القضائية في نظام الإثبات

2026-10-24

بحث في القرائن القضائية وفق المادة (85) من نظام الإثبات وعلاقتها بالقرائن النظامية في المادة (84): ضوابط استنباطها، وقيد جواز الإثبات بالشهادة، وواجب بيان وجه الدلالة، مع تطبيقات قضائية في طول السكوت عن المطالبة، والوفاء الجزئي، والسكوت في موطن البيان، وعرف مصادقات الرصيد، وقرينة الوفاء بالشيك.

أولًا: تحديد المسألة محل البحث

كثير من المنازعات التجارية والمدنية لا تقوم فيها بينة مباشرة على الواقعة محل النزاع، فيستخلص القاضي ثبوتها أو نفيها من وقائع أخرى ثابتة تدل عليها. ويتناول هذا البحث القرائن القضائية: سندها النظامي، وحدود سلطة المحكمة في استنباطها، والقيد الوارد على مجال إعمالها، وواجب التسبيب، وموقف المحاكم منها في وقائع متكررة كطول سكوت الدائن، والوفاء الجزئي، والسكوت عن الاعتراض على المحررات.

ثانيًا: التكييف النظامي

القرينة استنباط أمر مجهول من أمر معلوم. وقد ميّز نظام الإثبات بين نوعين: القرائن المنصوص عليها شرعًا أو نظامًا، وهي التي يقررها النص فتغني من تقررت لمصلحته عن الإثبات، والقرائن القضائية التي يستنبطها القاضي من ظروف الدعوى ووقائعها. فالأولى من عمل المنظم، والثانية من عمل القاضي، وتخضع لرقابة محكمة الاستئناف من حيث سلامة الاستنباط وبيان وجه الدلالة.

ثالثًا: النصوص النظامية

نصت المادة (الرابعة والثمانون) من نظام الإثبات، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/43) وتاريخ 26/5/1443هـ، على أن: «القرائن المنصوص عليها شرعاً أو نظاماً تغني من قررت لمصلحته عن أي طريق آخر من طرق الإثبات، على أنه يجوز نقض دلالتها بأي طريق آخر؛ ما لم يوجد نص يقضي بغير ذلك».

ونصت المادة (الخامسة والثمانون) من النظام ذاته على أن: «للمحكمة أن تستنبط قرائن أخرى للإثبات، وذلك في الأحوال التي يجوز فيها الإثبات بالشهادة؛ على أن تبين وجه دلالتها. للمحكمة الاستعانة بالوسائل العلمية في استنباط القرائن».

«للمحكمة أن تستنبط قرائن أخرى للإثبات، وذلك في الأحوال التي يجوز فيها الإثبات بالشهادة؛ على أن تبين وجه دلالتها» — المادة (85) من نظام الإثبات

رابعًا: ضوابط القرينة القضائية

يتحدد نطاق القرينة القضائية بضوابط أربعة مستمدة من نص المادة (85):

  • الضابط الأول: ثبوت الواقعة المستنبط منها؛ فالقرينة تُبنى على أمر معلوم ثابت في الدعوى، لا على احتمال أو ظن مجرد.
  • الضابط الثاني: مجال الإعمال؛ فلا تُستنبط القرينة إلا «في الأحوال التي يجوز فيها الإثبات بالشهادة»، فما أوجب النظام إثباته بالكتابة لا يثبت بقرينة قضائية.
  • الضابط الثالث: بيان وجه الدلالة؛ إذ قيّد النص سلطة المحكمة بأن «تبين وجه دلالتها»، فالقرينة غير المسببة لا تصلح سندًا للحكم.
  • الضابط الرابع: الاستعانة بالوسائل العلمية؛ فللمحكمة أن تستعين بها في استنباط القرائن، كالفحص الفني للأختام والمستندات الرقمية.

ويختلف أثر النوعين: فالقرينة النظامية يجوز نقض دلالتها بأي طريق آخر ما لم يمنع النص ذلك، كما في حجية الأمر المقضي التي منعت المادة (86) قبول دليل ينقضها. أما القرينة القضائية فتقدّر المحكمة قوتها، وقد تكفي وحدها، وقد تضم إليها اليمين المتممة أو غيرها من الأدلة.

خامسًا: التطبيق القضائي

طول السكوت عن المطالبة. في الحكم الصادر من الدائرة الرابعة والعشرين بالمحكمة التجارية بالرياض بالصك رقم (4430752462) وتاريخ 17/9/1444هـ، المؤيد بحكم دائرة الاستئناف الثالثة رقم (4530387242)، طالبت مجموعة استثمارية بمبلغ استنادًا إلى كشف حساب مؤرخ في عام 2006م، فقررت الدائرة أن المدعية «لم تقدم ما يبرر سكوتها هذه المدة الطويلة، ولأن قِدم الدعوى مما يضعف جانب المدعية ولا مبرر لسكوتها هذه المدة الطوية إلا الرضا، ولأن عادة التجار والشركات اطردت بمراجعة الحسابات دوريا وتدقيقها»، وانتهت إلى رفض الدعوى بعد أن رفض وكيل المدعية يمين المدعى عليه.

الوفاء الجزئي. في الحكم الصادر من الدائرة العامة الثالثة والعشرين بالمحكمة العامة بجدة برقم (4630065692) وتاريخ 19/01/1446هـ، المؤيد بحكم محكمة الاستئناف بجدة رقم (4630344041)، قررت الدائرة أن «الوفاء للمدعي بجزء من قيمة المطالبة قرينة قوية تصدق الدعوى»، و«لأن اليمين تشرع في جانب أقوى المتداعيين» وجهت اليمين المتممة للمدعي، فقضت له بعد أدائها.

السكوت في موطن البيان. في حكم دائرة الاستئناف الأولى بالمحكمة التجارية بالمدينة المنورة رقم (4530443600)، المؤيد للحكم رقم (4530198168) وتاريخ 06/03/1445هـ، قررت الدائرة أن «مستند الحكم هو المصادقة والتي لم يعترض عليها المستأنف، ومن المقرر اعتبار السكوت في موطن البيان لغير مانع معتبر اقراراً بصحته».

العرف التجاري في مصادقات الرصيد. في حكم دائرة الاستئناف التجارية الثالثة بالرياض رقم (4530861110)، المؤيد للحكم رقم (4530649434) وتاريخ 02/07/1445هـ، قررت الدائرة أن «طلب المصادقة صادر من المدعية للمدعى عليها والعرف في هذه الحالة هو أن الأصل في هذه المصادقة أنها لدين للمدعية على المدعى عليها ويشهد لذلك عقد التسهيلات والفواتير وما ذكرته المدعية من ايميلات مع أن المصادقة كافية».

قرينة الوفاء بالشيك. في الحكم الصادر من الدائرة التجارية الرابعة والعشرين بالرياض بالصك رقم (4530716735) وتاريخ 29/07/1445هـ، المؤيد بحكم دائرة الاستئناف الثالثة رقم (4530911401)، استندت الدائرة إلى المبدأ القضائي (103): «الأصل أن الشيكات إذا دُفعت لشخص تكون مستحقة له، إلا إذا قيدها بأنها قرض ونحوه»، وقررت أنه «أضحى أصلا مقرراً لا يصح الالتفات عنه الا بمعارض مثله أو أقوى منه».

سادسًا: إشكالات عملية وموقف القضاء منها

الإشكال الأول: القرينة واليمين. القرينة القضائية قد تقوّي جانب أحد الخصمين فتنقل اليمين إليه؛ ففي الحكم رقم (4630065692) أكملت المحكمة دليل المدعي الناقص باليمين المتممة لقوة جانبه بالوفاء الجزئي، وفي الحكم رقم (4430752462) أضعفت قرينة طول السكوت جانب المدعية فلما رفضت يمين خصمها رُدت دعواها. فالقرينة تحدد في الغالب من تتوجه إليه اليمين.

الإشكال الثاني: القرينة ومدة عدم السماع. احتجت المدعية في الحكم رقم (4430752462) بأن عدم سماع الدعوى منظم بمدد محددة، غير أن المحكمة لم تقض بعدم السماع، بل اعتدّت بطول السكوت قرينةً تُضعف الدعوى مع ما جرى به عرف التجار من مراجعة الحسابات دوريًا. فالقرينة تعمل في نطاق الإثبات، ولا يلزم لإعمالها اكتمال مدة عدم السماع.

الإشكال الثالث: حدود القرينة أمام الدليل الكتابي. قصر المادة (85) استنباط القرائن على الأحوال التي يجوز فيها الإثبات بالشهادة مؤداه أن القرينة القضائية لا تُعتمد وحدها لإثبات ما يوجب النظام إثباته بالكتابة، ولا لنقض ما لا يجوز نقضه إلا بالكتابة.

الإشكال الرابع: واجب التسبيب. الأحكام المتقدمة بيّنت وجه الدلالة صراحة: العادة المطردة في مراجعة الحسابات، وأن اليمين تشرع في جانب أقوى المتداعيين، والعرف في مصادقات الرصيد. والقرينة التي لا يُبيَّن وجه دلالتها تُعرّض الحكم للنقض لمخالفة صريح المادة (85).

الإشكال الخامس: الحكم السابق بوصفه قرينة معززة. قد لا يتحقق في الحكم السابق ما تشترطه المادة (86) لحجية الأمر المقضي، ومع ذلك تستأنس به المحكمة قرينةً تقوّي جانب أحد الخصوم. ففي الحكم الصادر من المحكمة التجارية بمكة المكرمة بالصك رقم (4530911608) وتاريخ 17/09/1445هـ، المؤيد بحكم دائرة الاستئناف الأولى رقم (4630189987)، رفضت الدائرة دعوى شريك بتسليمه مستندات الشراكة استنادًا إلى إقراره الكتابي باستلامها، وأضافت أن «مما يقوي جانب المدعى عليه:ا ومن صحة دفوعه أن هذه الدائرة قد حكمت بأرباح للمدعي ناتجة عن هذه المستندات في الدعوى السابقة ذات الرقم (4470841923)». فالحكم السابق هنا لم يكن سند الفصل، بل قرينة ضُمت إلى الإقرار.

سابعًا: الخلاصة والقواعد المستخلصة

  • 1. القرائن نوعان: نظامية تغني من تقررت لمصلحته عن الإثبات ويجوز نقضها ما لم يمنع النص، وقضائية تستنبطها المحكمة (المادتان 84 و85 من نظام الإثبات).
  • 2. لا تُستنبط القرينة القضائية إلا في الأحوال التي يجوز فيها الإثبات بالشهادة، ويجب بيان وجه دلالتها (المادة 85).
  • 3. طول سكوت الدائن التاجر دون مبرر قرينة تُضعف دعواه ولو لم تكتمل مدة عدم السماع (الحكم رقم 4430752462 / 4530387242).
  • 4. الوفاء الجزئي قرينة قوية تصدّق الدعوى وتنقل اليمين المتممة إلى المدعي (الحكم رقم 4630065692 / 4630344041).
  • 5. السكوت عن الاعتراض على المحرر في موطن البيان دون مانع معتبر إقرار بصحته (الحكم رقم 4530198168 / 4530443600).
  • 6. الشيك المسلّم للمستفيد قرينة على استحقاقه له ما لم يقم دليل معارض مساوٍ أو أقوى (الحكم رقم 4530716735 / 4530911401).

المراجع

  • نظام الإثبات، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/43) وتاريخ 26/5/1443هـ: المواد (84) و(85) و(86).
  • حكم دائرة الاستئناف الثالثة بالمحكمة التجارية بالرياض رقم (4530387242)، المؤيد للحكم رقم (4430752462) وتاريخ 17/9/1444هـ.
  • حكم محكمة الاستئناف بجدة (الدائرة الحقوقية الخامسة) رقم (4630344041)، المؤيد للحكم رقم (4630065692) وتاريخ 19/01/1446هـ.
  • حكم دائرة الاستئناف الأولى بالمحكمة التجارية بالمدينة المنورة رقم (4530443600)، المؤيد للحكم رقم (4530198168) وتاريخ 06/03/1445هـ.
  • حكم دائرة الاستئناف التجارية الثالثة بالرياض رقم (4530861110)، المؤيد للحكم رقم (4530649434) وتاريخ 02/07/1445هـ.
  • حكم دائرة الاستئناف التجارية الثالثة بالرياض رقم (4530911401)، المؤيد للحكم رقم (4530716735) وتاريخ 29/07/1445هـ.
  • حكم دائرة الاستئناف الأولى بالمحكمة التجارية بمكة المكرمة رقم (4630189987)، المؤيد للحكم رقم (4530911608) وتاريخ 17/09/1445هـ.
  • المركز الوطني للأنظمة واللوائح — نص نظام الإثبات (عبر qadipro.ai/laws).

شركة معاذ للمحاماة والاستشارات القانونية تتولى منازعات الإثبات وبناء الأدلة في الدعاوى التجارية والمدنية أمام المحاكم ودوائر الاستئناف. أحكام يتناولها هذا المقال والمنشورة في الموقع: • «السكوت في موطن البيان عن مصادقة الرصيد إقرار بصحتها» — الحكم رقم (4530198168). • «طلب مصادقة الرصيد الصادر من الدائن قرينة عرفية على المديونية المؤيدة بالفواتير» — الحكم رقم (4530649434). • «إقرار الشريك كتابةً باستلام مستندات الشراكة يمنع مطالبته بتسليمها مجددًا» — الحكم رقم (4530911608). • «الشيك أداة وفاء ولا تُوجَّه اليمين إلى الشخص الاعتباري» — الحكم رقم (4530716735). • «الوفاء الجزئي قرينة تقوّي جانب المدعي وتوجب له اليمين المتممة» — الحكم رقم (4630065692). • «قِدَم المطالبة والسكوت الطويل قرينة تُضعف جانب المدعي، ورفضه يمين خصمه يُفضي إلى رد الدعوى» — الحكم رقم (4430752462). تجد هذه الأحكام بأسمائها وأرقامها في قسم الأنظمة والأحكام القضائية.

  • الــمحامــي ⚖️ مــعاذ عــتين

الخدمات القانونية

هذا المحتوى لأغراض التوعية العامة ولا يُعدّ استشارة قانونية في واقعة بعينها.
اطلب استشارة