دراسة لأحكام المقاصة في المواد (281) إلى (289) من نظام المعاملات المدنية: شروطها، وطريق التمسك بها، وآثارها، والفرق بين المقاصة التي تقع بقوة النظام والمقاصة القضائية التي تُطلب بطلب عارض وفق المادة (84) من نظام المرافعات الشرعية، مع تحليل حكم دائرة الاستئناف الثانية بالمنطقة الشرقية رقم (4630351832) في رفض النظر في دفع بالمقاصة لم يُقدَّم طلبًا عارضًا.

تُعدّ المقاصة من الدفوع المتكررة في المنازعات التجارية والمدنية؛ إذ يواجه المدعى عليه المطالبة بدين ثابت بأن له في ذمة المدعي دينًا مقابلًا، ويطلب إسقاط أحد الدينين بالآخر. وقد يُلتفت عن هذا الدفع لا لانتفاء الحق المدعى به، بل لخلل في تكييف المقاصة أو في الطريق الإجرائي الذي سلكه الخصم للتمسك بها، كما في الحكم محل الدراسة. ويتناول هذا البحث أحكام المقاصة في نظام المعاملات المدنية، وصلتها بالطلبات العارضة في نظام المرافعات الشرعية، في ضوء تطبيق قضائي حديث.
أولًا: تحديد المسألة محل البحث
تنحصر المسألة في سؤالين متلازمين: الأول موضوعي، ومؤداه: متى تتحقق المقاصة بين دينين متقابلين، وما أثرها في انقضاء الالتزام؟ والثاني إجرائي، ومؤداه: كيف يتمسك المدين بالمقاصة أمام المحكمة، وهل يكفي أن يدفع بها في مذكرة جوابية، أم يلزمه أن يقدّمها طلبًا عارضًا مستقلًا؟ والإجابة عن السؤال الثاني متوقفة على الأول؛ لأن نوع المقاصة المتمسَّك بها هو الذي يحدد طريق إثارتها.
ثانيًا: التكييف النظامي للمقاصة
نظّم نظام المعاملات المدنية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/191) وتاريخ 29/11/1444هـ أحكام المقاصة في المواد من (281) إلى (289)، عقب حكم الوفاء البديل في المادة (280). والمقاصة بهذا الموضع سبب لانقضاء الالتزام بغير الوفاء الفعلي؛ إذ نصت المادة (284) على أنه: «يترتب على المقاصة انقضاء الدينين بمقدار الأقل منهما منذ الوقت الذي يصبحان فيه صالحين للمقاصة». فهي في جوهرها وفاء متبادل يُغني عن انتقال المال مرتين بين طرفين كلٌّ منهما دائن ومدين للآخر.
ويُستخلص من النصوص ثلاث صور: الأولى المقاصة التي تقع متى اكتملت شروط المادة (281) وتمسك بها صاحب المصلحة. والثانية المقاصة الاتفاقية، وهي التي نصت عليها المادة (285) بقولها: «إذا تخلف أحد الشروط الواردة في المادة (الحادية والثمانين بعد المائتين) من هذا النظام لم تقع المقاصة إلا باتفاق الطرفين». والثالثة المقاصة القضائية التي يطلبها المدعى عليه من المحكمة بطلب عارض، وقد نصت عليها الفقرة (أ) من المادة (84) من نظام المرافعات الشرعية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/1) وتاريخ 22/1/1435هـ بقولها: «للمدعى عليه أن يقدم من الطلبات العارضة ما يأتي: أ- طلب المقاصة القضائية».
ثالثًا: شروط المقاصة في المادة (281)
نصت المادة (281) من نظام المعاملات المدنية على أن: «للمدين المقاصة بين ما هو مستحق الأداء عليه لدائنه وما هو مستحق الأداء له تجاه هذا الدائن ولو اختلف سبب الدينين، إذا كان موضوع كل منهما نقوداً أو أشياء متماثلة في النوع والصفة، وكان كل منهما خالياً من النزاع، وصالحاً للمطالبة به قضاءً، وقابلاً للحجز». ويتفرع عن النص الشروط الآتية:
- تقابل الدينين بين الشخصين أنفسهما: فالنص يشترط أن يكون المدين دائنًا لدائنه ذاته «تجاه هذا الدائن»، فلا مقاصة بين دين على المدين لشخص ودين له على شخص آخر، ولو كانا شريكين أو مرتبطين تجاريًا.
- استحقاق الدينين للأداء: فلا تقع المقاصة بين دين حالّ ودين مؤجل لم يحل أجله؛ لأن النص اشترط أن يكون كلٌّ منهما «مستحق الأداء».
- تماثل المحل: أن يكون موضوع الدينين نقودًا أو أشياء متماثلة في النوع والصفة، فلا مقاصة بين دين نقدي والتزام بتسليم عين معينة أو بأداء عمل.
- الخلو من النزاع: وهو الشرط الأدق عملًا؛ إذ لا تقع المقاصة بقوة النص إذا كان الدين المقابل محل منازعة في وجوده أو مقداره.
- الصلاحية للمطالبة القضائية: أن يكون الدين مما تُسمع به الدعوى، مع مراعاة الاستثناء الوارد في المادة (288) بشأن الدين الذي مضت عليه مدة عدم السماع.
- القابلية للحجز: فالدين الذي لا يجوز الحجز عليه لا يصلح محلًا للمقاصة.
ويُلاحظ أن النص صرّح بأن اختلاف سبب الدينين لا يمنع المقاصة؛ فيجوز أن يكون أحدهما ثمن توريد والآخر أجرة معدات، ما دامت بقية الشروط قائمة.
رابعًا: التمسك بالمقاصة وحدود النزول عنها
لا تعمل المقاصة تلقائيًا من غير إرادة صاحبها؛ إذ نصت المادة (282) على أنه: «لا تقع المقاصة إلا إذا تمسك بها من له مصلحة فيها، ولا يصح النزول عنها قبل ثبوت الحق فيها». ويترتب على ذلك أن المحكمة لا تُجري المقاصة من تلقاء نفسها، وأن الاتفاق المسبق في العقد على التنازل عن المقاصة قبل ثبوت الحق فيها لا يُعتدّ به وفق صريح النص.
ولا يحول اختلاف مكان الوفاء دون التمسك بالمقاصة؛ فقد نصت المادة (283) على أنه: «يجوز للمدين أن يتمسك بالمقاصة ولو اختلف مكان الوفاء في الدينين. ويجب عليه في هذه الحال أن يعوض الدائن عما لحقه من ضرر لعدم تمكنه بسبب المقاصة من استيفاء ما له من حق أو الوفاء بما عليه من دين في المكان الذي عين لذلك».
خامسًا: آثار المقاصة وحدودها
الأثر الأصلي هو انقضاء الدينين بقدر الأقل منهما وفق المادة (284)، ويبقى الفرق دينًا قائمًا لصاحبه. والعبرة في تاريخ الانقضاء بالوقت الذي صار فيه الدينان صالحين للمقاصة، لا بتاريخ التمسك بها ولا بتاريخ الحكم. ويتصل بذلك حكم المادة (288) التي نصت على أنه: «إذا كان أحد الدينين لا تُسمع فيه الدعوى لمرور الزمن وقت التمسك بالمقاصة فإن ذلك لا يمنع من وقوعها ما دامت شروطها قد اكتملت قبل مرور تلك المدة».
وترد على المقاصة قيود ثلاثة: أولها حماية الغير، فقد نصت المادة (286) على أنه: «لا يجوز أن تقع المقاصَّة إضراراً بحقوقٍ كسبها الغير». وثانيها استثناء الوديعة والعارية، إذ نصت المادة (287) على أنه: «إذا كان للمودع لديه دينٌ على المودع أو كان للمستعير دين على المعير، فلا تقع المقاصة بين الدين والوديعة أو بين الدين والشيء المعار ولو كان الدين من نوع أي منهما إلا باتفاق الطرفين». وثالثها حكم من وفّى دينه وكان له أن يقاص، إذ نصت المادة (289) على أنه: «إذا أدى المدين ديناً عليه وكان له أن يقاص فيه بحق له لم يجز أن يتمسك بضمانات هذا الحق بما يضر بالغير إلا إذا كان يجهل وجود الحق وقت الوفاء وكان له في ذلك عذر مقبول».
سادسًا: المقاصة القضائية وطريق إثارتها
إذا تخلف شرط من شروط المادة (281)، وأظهرها في العمل أن يكون الدين المقابل متنازعًا فيه، فإن المقاصة لا تقع إلا باتفاق الطرفين وفق المادة (285)، أو بحكم قضائي يُثبت الدين المقابل ثم يُجري المقاصة. والطريق النظامي لذلك هو الطلب العارض؛ فقد نصت المادة (82) من نظام المرافعات الشرعية على أن: «تقدم الطلبات العارضة من المدعي أو المدعى عليه بصحيفة تبلغ للخصوم قبل يوم الجلسة وفقاً للإجراءات المعتادة لرفع الدعوى، أو بطلب يقدم شفهياً في الجلسة في حضور الخصم، ويثبت في محضرها. ولا تقبل الطلبات العارضة بعد إقفال باب المرافعة».
ونصت المادة (85) من النظام ذاته على أن: «تحكم المحكمة في موضوع الطلبات العارضة مع الدعوى الأصلية كلما أمكن ذلك، وإلا استبقت الطلب العارض للحكم فيه بعد تحقيقه». ومؤدى هذه النصوص مجتمعة أن الدفع بالمقاصة في دين متنازع فيه ليس دفعًا موضوعيًا مجردًا يكفي إبداؤه في الجواب، وإنما هو طلب يتضمن ادعاءً بحق مستقل، فيلزم تقديمه بالطريق الذي رسمه النظام وفي الميعاد الذي حدده، أي قبل إقفال باب المرافعة.
سابعًا: التطبيق القضائي
عرض هذا الإشكال على الدائرة الرابعة بالمحكمة التجارية بالدمام في القضية رقم (4571306484) لعام 1445هـ؛ وتتلخص وقائعها في مطالبة شركة بأجرة آلة قطع أنابيب مؤجرة لمدة أربعة عشر يومًا بمبلغ (89,700) ريال. وأجابت المدعى عليها بمذكرة ذكرت فيها أنها تطالب المدعية بمبلغ (285,849.90) ريالًا عن أعمال نفذتها خلال الفترة من 2015م إلى 2023م، وفي جلسة لاحقة سُئل وكيلها: هل تقر موكلته بمبلغ المطالبة وتدفع بوجود مبالغ في ذمة المدعية؟ فقال: «نعم وتطلب المقاصة».
فأصدرت الدائرة حكمها رقم (4630118262) وتاريخ 12/2/1446هـ بإلزام المدعى عليها بالمبلغ، مؤسِّسةً قضاءها على إقرار وكيل المدعى عليها بصحة المطالبة، واستندت إلى أن «الإقرار حجة على صاحبه»، وإلى المادتين (14) و(17) من نظام الإثبات. فاستأنفت المدعى عليها ناعيةً على الحكم إغفال دفعها بطلب المقاصة القضائية، ومستندةً إلى الفقرتين (أ) و(ج) من المادة (84) والمادة (85) من نظام المرافعات الشرعية.
وقضت دائرة الاستئناف الثانية بالمنطقة الشرقية بالحكم رقم (4630351832) بتأييد الحكم، وجاء في أسبابها: «والبين من ملف القضية هو أن المستأنفة ولئن دفعت بوجود مستحقات لها في ذمة المستأنف ضدها فإنها لم تقدم طلباً عارضاً بذلك بصفة رسمية عبر النظام وهو ما يوجب عدم قبول طلبها ذلك»، وأضافت: «فإن نظر طلب المستأنفة في مرحلة الاستئناف والحال كذلك سيؤدي لزوماً إلى تفويت درجة من درجات التقاضي فيما يخصه»، مع «تأكيدها على أحقية المستأنفة بالمطالبة بما يخص مستحقاتها في دعوى مستقلة». واستندت الدائرة كذلك إلى تعميم وكيل الوزارة للشؤون القضائية المعمم بتاريخ 22/11/1443هـ المتضمن عدم قبول إضافة أي طلب من خلال الدائرة القضائية وتوجيه المستفيد إلى تقديمه عبر بوابة ناجز.
ودلالة الحكم أن الدين المقابل الذي ادعته المدعى عليها كان محل إنكار صريح من المدعية التي أفادت «بعدم صحة المستندات المقدمة»، فلم يكن خاليًا من النزاع بالمعنى الذي تشترطه المادة (281)، ومن ثم لم يكن سبيله إلا المقاصة القضائية بطلب عارض مقيد وفق المادتين (82) و(84) من نظام المرافعات الشرعية. أما الإقرار بالدين الأصلي مع الاكتفاء بالدفع الشفهي، فقد أنتج أثره كاملًا في ثبوت المطالبة، ولم يُنتج أي أثر في الدين المقابل.
ثامنًا: إشكالات عملية وموقف القضاء منها
- الإقرار بالمطالبة مع الدفع بالمقاصة: الإقرار القضائي حجة قاطعة على المقر كما استند الحكم الابتدائي إلى المادة (17) من نظام الإثبات، فمن أقر بالدين الأصلي ولم يقدّم طلبًا عارضًا بالدين المقابل يُحكم عليه بما أقر به، ويبقى حقه المقابل محفوظًا لدعوى مستقلة كما قررت دائرة الاستئناف.
- إثارة المقاصة لأول مرة أمام الاستئناف: عدّت دائرة الاستئناف ذلك تفويتًا لدرجة من درجات التقاضي، فلا يُقبل الطلب في هذه المرحلة.
- الدين المقابل الثابت غير المتنازع فيه: إذا توافرت شروط المادة (281) كاملة كان التمسك بالمقاصة دفعًا يترتب عليه انقضاء الدينين بقدر الأقل منهما وفق المادة (284)، والاحتياط مع ذلك تقديمه طلبًا عارضًا لقطع أي جدل في كونه متنازعًا فيه.
- الدين الذي مضت عليه مدة عدم السماع: لا يمنع المقاصة إذا اكتملت شروطها قبل مرور المدة، بصريح المادة (288).
- توقيت الطلب: لا تُقبل الطلبات العارضة بعد إقفال باب المرافعة بصريح المادة (82) من نظام المرافعات الشرعية؛ فالمقاصة القضائية يجب أن تُقدَّم قبل قفل باب المرافعة، والأحوط تقديمها مع أول مذكرة جوابية.
تاسعًا: القواعد المستخلصة
- 1- المقاصة سبب لانقضاء الالتزام، ويترتب عليها انقضاء الدينين بقدر الأقل منهما منذ صلاحيتهما للمقاصة (المادة 284 من نظام المعاملات المدنية).
- 2- يشترط لوقوع المقاصة تقابل الدينين واستحقاقهما وتماثل محلهما وخلوهما من النزاع وصلاحيتهما للمطالبة القضائية وقابليتهما للحجز، ولا يمنع منها اختلاف سببهما (المادة 281).
- 3- لا تقع المقاصة إلا بتمسك صاحب المصلحة بها، ولا يصح النزول عنها قبل ثبوت الحق فيها (المادة 282).
- 4- إذا تخلف شرط من شروط المادة (281) لم تقع المقاصة إلا باتفاق الطرفين (المادة 285) أو بطلب مقاصة قضائية (المادة 84/أ من نظام المرافعات الشرعية).
- 5- الدفع بدين مقابل متنازع فيه دون تقديم طلب عارض مقيد لا يُلزم المحكمة بالفصل فيه، ولا يُقبل لأول مرة في الاستئناف، ويبقى للمدين رفع دعوى مستقلة (حكم الاستئناف رقم 4630351832).
- 6- لا تقع المقاصة إضرارًا بحقوق كسبها الغير، ولا تقع بين الدين والوديعة أو العارية إلا باتفاق (المادتان 286 و287).
المراجع
- نظام المعاملات المدنية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/191) وتاريخ 29/11/1444هـ، المواد (280) إلى (289).
- نظام المرافعات الشرعية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/1) وتاريخ 22/1/1435هـ، المواد (82) و(84) و(85).
- نظام الإثبات الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/43) وتاريخ 26/5/1443هـ، المادتان (14) و(17) كما وردتا في أسباب الحكم الابتدائي.
- نظام المحاكم التجارية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/93) وتاريخ 15/8/1441هـ، المادتان (78) و(79) كما وردتا في أسباب حكم الاستئناف.
- حكم الدائرة الرابعة بالمحكمة التجارية بالدمام رقم (4630118262) وتاريخ 12/2/1446هـ في القضية رقم (4571306484) لعام 1445هـ، المؤيد بحكم دائرة الاستئناف الثانية بالمنطقة الشرقية رقم (4630351832) — منشور في بوابة الأحكام القضائية بوزارة العدل (laws.moj.gov.sa).
- تعميم وكيل وزارة العدل للشؤون القضائية المعمم بتاريخ 22/11/1443هـ، بحسب ما ورد في أسباب حكم الاستئناف المشار إليه.
أُعدّ هذا البحث في شركة معاذ للمحاماة والاستشارات القانونية، المتخصصة في التقاضي التجاري والمدني. أحكام يتناولها هذا المقال والمنشورة في الموقع: • «الدفع بالمقاصة دون طلب عارض مقيد لا يلزم المحكمة بالفصل فيه» — الحكم رقم (4630118262). تجد هذه الأحكام بأسمائها وأرقامها في قسم الأنظمة والأحكام القضائية.
- الــمحامــي ⚖️ مــعاذ عــتين
