دراسة لليمين المتممة في نظام الإثبات (المواد 92 و93 و94 و105 و106 و107) والأدلة الإجرائية (المادتان 93 و94): شروط توجيهها، ومناطها في قوة جانب المدعي بدليل ناقص، وأثر الحلف والنكول، وامتناع توجيهها للشخص ذي الصفة الاعتبارية، مع تطبيقات من أحكام المحاكم التجارية بأبها والمدينة المنورة والرياض.

أولًا: تحديد المسألة محل البحث
تتناول هذه الورقة اليمين المتممة في نظام الإثبات: متى توجهها المحكمة، ولمن توجه، وما أثر أدائها أو النكول عنها، وما حدودها بالنسبة للشخص ذي الصفة الاعتبارية. وتظهر أهمية المسألة في المنازعات المالية والتجارية التي يقدم فيها المدعي دليلًا لا يبلغ حد الكفاية، كمصادقة رصيد ينكرها الخصم أو فاتورة غير موقعة، فتكون اليمين المتممة هي الوسيلة النظامية لاستكمال البينة بدلًا من رد الدعوى، وتكون في الوقت ذاته محل منازعة متكررة في لوائح الاعتراض.
ثانيًا: التكييف النظامي
اليمين المتممة إجراء إثبات تكميلي تملكه المحكمة، وليست حقًا للخصم يوجهه إلى خصمه كما في اليمين الحاسمة. وقد عرّفها النظام تعريفًا يميزها من اليمين الحاسمة من جهتين: الأولى من يؤديها، فالحاسمة يؤديها المدعى عليه والمتممة يؤديها المدعي؛ والثانية قابلية الرد، فالحاسمة يجوز ردها والمتممة لا يجوز ردها. ويستند هذا البناء إلى القاعدة العامة في المادة (الثالثة) من النظام: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر. البينة لإثبات خلاف الظاهر، واليمين لإبقاء الأصل»؛ فالمتممة استثناء من الأصل تنتقل به اليمين إلى جانب المدعي حين يقوى جانبه بدليل ناقص.
ثالثًا: النصوص النظامية
نصت المادة (الثانية والتسعون) من نظام الإثبات الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/43) وتاريخ 26/5/1443هـ على أن: «اليمين الحاسمة: هي التي يؤديها المدعى عليه لدفع الدعوى، ويجوز ردها على المدعي، وفقاً للأحكام الواردة في هذا الباب. اليمين المتممة: هي التي يؤديها المدعي لإتمام البينة، ولا يجوز ردها على المدعى عليه، وفقاً للأحكام الواردة في هذا الباب».
ونصت المادة (الثالثة والتسعون) على أنه: «تكون اليمين في جانب أقوى المتداعيين».
ونصت المادة (الخامسة بعد المائة) على أنه: «توجه المحكمة اليمين المتممة للمدعي إذا قدم دليلاً ناقصاً في الحقوق المالية، فإن حلف حُكم له، وإن نكل لم يعتد بدليله. تكون اليمين المتممة على البت. لا يجوز رد اليمين المتممة على الخصم الآخر».
ونصت المادة (السادسة بعد المائة) على أنه: «يؤدي اليمين المتممة الولي والوصي وناظر الوقف ومن في حكمهم فيما باشروا التصرف فيه»، والمادة (السابعة بعد المائة) على أنه: «إذا تعدد المدعون وقدموا دليلاً ناقصاً، وجهت المحكمة اليمين المتممة لهم جميعاً، فمن حلف حكم له، ومن نكل لم يعتد بدليله».
ونصت المادة (الرابعة والتسعون) على أنه: «يشترط أن يكون الحالف أهلاً للتصرف فيما يحلف عليه. لا تقبل النيابة في أداء اليمين، وتقبل -بتوكيل خاص- في توجيه اليمين وقبولها والنكول عنها وردها».
وجاء في الأدلة الإجرائية لنظام الإثبات، المادة (93): «فيما لم يرد فيه نص خاص، لا توجه اليمين في غير الحقوق المالية»، وفي المادة (94): «١- لا توجه اليمين فيما اشترط النظام لصحته أن يكون مكتوباً.٢- لا توجه اليمين للشخص ذي الصفة الاعتبارية».
رابعًا: شروط توجيه اليمين المتممة
- الشرط الأول: وجود دليل ناقص مقدم من المدعي؛ فلا توجه اليمين لمن لم يقدم دليلًا أصلًا، ولا لمن قدم دليلًا كاملًا يستقل بالإثبات (م105).
- الشرط الثاني: أن يكون الحق المدعى به ماليًا (م105، والمادة 93 من الأدلة الإجرائية).
- الشرط الثالث: أن يكون جانب المدعي هو الأقوى بما قدمه من دليل؛ لأن اليمين «في جانب أقوى المتداعيين» (م93).
- الشرط الرابع: أهلية الحالف للتصرف فيما يحلف عليه، وأداؤه اليمين بنفسه؛ إذ «لا تقبل النيابة في أداء اليمين» (م94)، ويؤديها الولي والوصي وناظر الوقف فيما باشروا التصرف فيه (م106).
- الشرط الخامس: ألا يكون الحالف شخصًا ذا صفة اعتبارية (المادة 94/2 من الأدلة الإجرائية).
- الشرط السادس: ألا يكون محل الإثبات مما اشترط النظام لصحته الكتابة (المادة 94/1 من الأدلة الإجرائية).
ويضاف إلى ذلك قيدان في صيغة اليمين وأثرها: أنها تكون «على البت» لا على نفي العلم، وأنها لا ترد على الخصم الآخر (م105). وتوجيهها سلطة للمحكمة بصريح عبارة «توجه المحكمة»، فلا يلزمها توجيهها لمجرد طلب الخصم متى رأت الدليل كافيًا أو منعدمًا.
خامسًا: آثار الأداء والنكول
إذا حلف المدعي اليمين المتممة «حُكم له»، فتكتمل البينة بالدليل الناقص واليمين معًا. وإذا نكل «لم يعتد بدليله» (م105)؛ وهذا الأثر يختلف عن أثر النكول في اليمين الحاسمة، إذ نصت المادة (الثامنة والتسعون) على أن من نكل عن اليمين الموجهة إليه «دون أن يردها على خصمه حكم عليه بعد إنذاره». فالنكول عن المتممة يُسقط الدليل الناقص الذي قدمه المدعي، ولا يُعد بذاته إقرارًا بنفي الحق. وعند تعدد المدعين يتجزأ الأثر بحسب حال كل منهم؛ فمن حلف حكم له، ومن نكل لم يعتد بدليله (م107).
سادسًا: التطبيق القضائي
في الحكم الابتدائي رقم (4531155999) وتاريخ 18/12/1445هـ الصادر من الدائرة التجارية الأولى بالمحكمة التجارية بأبها، المؤيد بحكم الاستئناف رقم (4630079854) وتاريخ 26/01/1446هـ، استند المدعي إلى مطابقة رصيد أنكرت المدعى عليها صحتها، فقررت الدائرة: «وبما أن وكيل المدعى عليها لم يقدم ما ينال من حجية المصادقة ، وبما أن الدائرة قد قررت أخذ يمين المدعي بناء على ما نصت عليه المادة الخامسة بعد المائة من نظام الإثبات (...) فضلاً على أن جانب المدعي أقوى ، ولكون اليمين تشرع في جانب أقوى المتداعيين (...) وحيث أدى المدعي اليمين على النحو المشار إليه ، الأمر الذي تنتهي معه الدائرة إلى إلزام المدعى عليها بسداد مبلغ المطالبة». ويجمع الحكم بين المادتين (93) و(105): فالدليل الناقص (المصادقة المنكرة) قوّى جانب المدعي، فانتقلت اليمين إليه، واكتملت البينة بأدائها.
وفي الحكم الابتدائي رقم (4430874915) وتاريخ 24/10/1444هـ الصادر من الدائرة التجارية الثالثة بالمحكمة التجارية بالمدينة المنورة، المؤيد بحكم الاستئناف رقم (4431063325)، طلبت المستأنفة توجيه اليمين المتممة إلى خصمها، فقررت دائرة الاستئناف أنه «بشأن اليمين المتممة فإن المستأنف ضدها شركة لها شخصية اعتبارية لا توجه لها اليمين كما نص على ذلك نظام المحاكم التجارية ولائحته التنفيذية، وكذلك نظام الإثبات». ويتفق هذا مع المادة (94/2) من الأدلة الإجرائية.
وفي الحكم الابتدائي رقم (4630371240) وتاريخ 28/04/1446هـ الصادر من الدائرة التجارية الثامنة والعشرين بالمحكمة التجارية بالرياض، المؤيد بحكم الاستئناف رقم (4630531487) وتاريخ 16/06/1446هـ، لم تقدم المدعية إلا كشف حساب من صنعها وفاتورة مختومة على أصناف غير محل الدعوى، فقررت الدائرة أن المدعى عليها «لها صفة اعتبارية ولا يمكن توجيه اليمين لها بناء على نص المادة (94/2) من الأدلة الإجرائية لنظام الإثبات»، ورفضت الدعوى رغم تخلف المدعى عليها عن الحضور. ويكشف الحكم أن امتناع توجيه اليمين للشخص الاعتباري لا يعمل لصالح خصمه؛ فالمدعي الذي يقصر دليله لا يملك استكماله بيمين خصمه الاعتباري، فيبقى عبء الإثبات كاملًا عليه.
سابعًا: إشكالات عملية
1) معيار الدليل الناقص: لم يحدد النظام صور الدليل الناقص على سبيل الحصر، وترك تقديره للمحكمة؛ ويظهر من التطبيق المتقدم أن مصادقة الرصيد التي ينكرها الخصم دون أن يقدم ما ينال من حجيتها تصلح دليلًا ناقصًا يكمل باليمين.
2) الشخص الاعتباري: لما كانت اليمين لا توجه للشخص ذي الصفة الاعتبارية (المادة 94/2 من الأدلة الإجرائية)، فإن الشركة المدعية التي تقدم دليلًا ناقصًا لا تملك استكماله باليمين المتممة، ويتعين عليها استكمال الإثبات بالكتابة أو الخبرة أو غيرهما من طرق الإثبات. وهذا يجعل التوثيق المكتوب للتعاملات التجارية أهم في حق الشركات منه في حق الأفراد.
3) طلب الخصم توجيه اليمين المتممة: لما كان توجيهها سلطة للمحكمة، فإن طلب الخصم لا يُلزمها، وإنما يُنظر في الاعتراض على عدم توجيهها بحسب توافر شروطها، كما في الحكم رقم (4430874915) الذي رد طلب توجيهها لكون المطلوب تحليفه شخصًا ذا صفة اعتبارية.
4) النكول وعبء الإثبات: نكول المدعي عن المتممة يُسقط اعتبار دليله الناقص (م105)، فيعود الأصل الذي قررته المادة (الثالثة): «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر». فإن لم تكن لديه بينة أخرى فله طلب يمين خصمه على ما تقرره أحكام اليمين الحاسمة (م97).
ثامنًا: الخلاصة والقواعد المستخلصة
- 1- اليمين المتممة يؤديها المدعي لإتمام بينة ناقصة، ولا ترد على المدعى عليه (م92، م105).
- 2- لا توجه إلا في الحقوق المالية (م105، والمادة 93 من الأدلة الإجرائية).
- 3- مناط توجيهها قوة جانب المدعي بدليله الناقص (م93).
- 4- توجيهها سلطة للمحكمة لا حق للخصم، وتكون على البت (م105).
- 5- من حلف حكم له، ومن نكل لم يعتد بدليله، وعند تعدد المدعين لكلٍّ حكمه (م105، م107).
- 6- لا نيابة في أدائها، ويؤديها الولي والوصي وناظر الوقف فيما باشروا التصرف فيه (م94، م106).
- 7- لا توجه للشخص ذي الصفة الاعتبارية، ولا فيما اشترط النظام لصحته الكتابة (المادة 94 من الأدلة الإجرائية؛ الحكمان رقم 4430874915 ورقم 4630371240).
- 8- مصادقة الرصيد المنكرة دون ما ينال من حجيتها دليل ناقص يكمل باليمين المتممة (الحكم رقم 4531155999).
المراجع
- نظام الإثبات، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/43) وتاريخ 26/5/1443هـ: المواد (3)، (92)، (93)، (94)، (97)، (98)، (105)، (106)، (107).
- الأدلة الإجرائية لنظام الإثبات: المادتان (93) و(94).
- حكم الدائرة التجارية الأولى بالمحكمة التجارية بأبها رقم (4531155999) وتاريخ 18/12/1445هـ، المؤيد بحكم الاستئناف رقم (4630079854) وتاريخ 26/01/1446هـ.
- حكم الدائرة التجارية الثالثة بالمحكمة التجارية بالمدينة المنورة رقم (4430874915) وتاريخ 24/10/1444هـ، المؤيد بحكم الاستئناف رقم (4431063325) وتاريخ 20/05/1445هـ.
- حكم الدائرة التجارية الثامنة والعشرين بالمحكمة التجارية بالرياض رقم (4630371240) وتاريخ 28/04/1446هـ، المؤيد بحكم الاستئناف رقم (4630531487) وتاريخ 16/06/1446هـ.
- نصوص المواد منقولة من مكتبة الأنظمة في منصة قاضي برو (qadipro.ai/laws) المحالة إلى المركز الوطني للأنظمة واللوائح.
شركة معاذ للمحاماة والاستشارات القانونية تتولى الترافع والاعتراض أمام المحاكم التجارية والعامة ومحاكم الاستئناف. أحكام يتناولها هذا المقال والمنشورة في الموقع: • «كشف الحساب الصادر من المدعي لا يثبت حقه، ولا توجه اليمين للمدعى عليها ذات الصفة الاعتبارية» — الحكم رقم (4630371240). • «إشعار العيب الصادر من المشتري وحده لا يثبت العيب، واليمين المتممة لا توجه للشخص الاعتباري» — الحكم رقم (4430874915). • «اليمين المتممة تُكمل مصادقة الرصيد المنكَرة إذا كان جانب المدعي أقوى» — الحكم رقم (4531155999). تجد هذه الأحكام بأسمائها وأرقامها في قسم الأنظمة والأحكام القضائية.
- الــمحامــي ⚖️ مــعاذ عــتين
