+966 12 511 8667muath@muathlaw.comالأحد – الخميس، 9 صباحًا – 5 مساءً

حجية محادثات الواتساب في الإثبات: متى تُعدّ دليلًا منتجًا في الدعوى؟ ومتى تُهدر؟

2026-10-09

أعطى نظام الإثبات الدليلَ الرقمي حكمَ الكتابة، غير أن المحكمة لا تأخذ بالمحادثة لمجرد تقديمها. نبيّن الإطار النظامي لحجية رسائل الواتساب، وتطبيقًا قضائيًا أهدرت فيه دائرة تجارية رسائل وصفها المدعي بأنها إقرار صريح، والضوابط العملية لإعداد الدليل الرقمي قبل قيد الدعوى.

أصبحت المحادثات الرقمية، وفي مقدمتها رسائل الواتساب، من أكثر وسائل الإثبات تقديمًا أمام المحاكم السعودية، بعد أن غدت أغلب التعاملات التجارية والعمالية والمدنية تُبرم وتُدار عبر تطبيقات التواصل قبل توثيقها في عقد مكتوب. غير أن تقديم المحادثة شيء، وثبوت حجيتها وإنتاجها في الدعوى شيء آخر؛ فكم من دعوى أُقيمت على محادثة رآها صاحبها قاطعة الدلالة، ثم انتهت المحكمة إلى أنها لا تحمل المعنى الذي ادّعاه.

الخلاصة النظامية

رسائل الواتساب دليل رقمي معتبر نظامًا، وللإثبات به حكم الإثبات بالكتابة. إلا أن الأخذ بها يتوقف على ثلاثة ضوابط: صحة نسبتها إلى الخصم، وسلامتها من التعديل والاجتزاء، واتصال مضمونها بمحل النزاع اتصالًا منتجًا في الدعوى. فإذا تخلّف أحد هذه الضوابط، فقدت المحادثة أثرها ولو كانت صحيحة الصدور.

الإطار النظامي للدليل الرقمي في نظام الإثبات

أفرد نظام الإثبات الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/43) وتاريخ 26/5/1443هـ بابًا مستقلًا للدليل الرقمي، تضمّن الأحكام الآتية:

  • المادة (الثالثة والخمسون): يُعد دليلًا رقميًا كل دليل مستمد من بيانات تُنشأ أو تُرسل أو تُستلم أو تُحفظ بوسيلة رقمية، متى أمكن استرجاعها بصورة مقروءة؛ وتندرج تحت هذا الوصف رسائل الواتساب والرسائل النصية والبريد الإلكتروني.
  • المادة (الخامسة والخمسون): يكون للإثبات بالدليل الرقمي حكم الإثبات بالكتابة الوارد في النظام؛ فالمحادثة الرقمية ليست قرينة مجردة، بل وسيلة إثبات كتابية بنص النظام.
  • المادة (السابعة والخمسون): يكون الدليل الرقمي غير الرسمي حجةً على أطراف التعامل ما لم يثبت خلاف ذلك، إذا صدر وفقًا لنظام التعاملات الإلكترونية أو نظام التجارة الإلكترونية، أو كان مستفادًا من وسيلة رقمية منصوص عليها في العقد محل النزاع، أو من وسيلة رقمية موثقة أو مشاعة للعموم.
  • المادة (الثامنة والخمسون): يقع عبء إثبات عدم صحة الدليل الرقمي في الحالات المنصوص عليها في المادتين (السادسة والخمسين) و(السابعة والخمسين) على الخصم الذي يدّعي ذلك.
  • المادة (التاسعة والخمسون): فيما عدا الحالات السابقة، تكون للدليل الرقمي الحجية المقررة للمحرر العادي، فيُحتج به، ويجوز للخصم إنكاره، فيخضع عندئذٍ لإجراءات التحقق.

ويترتب على ذلك أثر عملي مباشر: إذا نصّ العقد على اعتماد الواتساب أو البريد الإلكتروني وسيلةً للتواصل والإخطار بين الطرفين، انتقل عبء الطعن في صحة المراسلات إلى الخصم. أما إذا خلا العقد من ذلك، فتبقى المحادثة حجة بمرتبة المحرر العادي، لكنها أكثر عرضة للإنكار والطعن.

تطبيق قضائي: رسائل وُصفت بأنها إقرار صريح فلم تجد فيها المحكمة إقرارًا

في دعوى إثبات شراكة نظرتها إحدى الدوائر التجارية، ونُشر حكمها ضمن مدوّنة الأحكام القضائية التجارية في قضايا الشركات، قدّم المدعي عدة بيّنات، أبرزها رسائل نصية وصفها بأنها إقرار واعتراف صريح من المدعى عليها بقيام الشراكة وبالتزامها بأداء حقوقه. وقد اطّلعت الدائرة على تلك الرسائل وانتهت إلى أنها «لم تجد فيها إقرارًا كما يذكر المدعي، لا نصًّا ولا صراحةً، بل هي مراسلات فيما بينهما»، وأن ما تضمنته خارج عن محل النزاع.

ودلالة هذا الحكم أن المحكمة لم تُهدر الرسائل لكونها دليلًا رقميًا، وإنما لأن مضمونها لم يتضمن إقرارًا بالواقعة المدعاة. فالمحكمة تُعمل سلطتها في تقدير الدليل على ألفاظه الثابتة ومدى انطباقها على الطلبات المعروضة، لا على التفسير الذي يحمله عليها مقدّمه.

أسباب إهدار حجية المحادثات الرقمية أمام المحكمة

  • الاجتزاء: تقديم مقتطف أو صورة شاشة لرسالة منفردة منزوعة من سياقها، مما يمكّن الخصم من الدفع بأن باقي المحادثة يغيّر دلالتها.
  • انتفاء النسبة: صدور الرسائل من رقم غير ثابت النسبة إلى الخصم، أو من جوال تابع أو وسيط، دون قرينة تربط الرقم بالطرف المحتج عليه.
  • عمومية العبارات: العبارات المجاملة أو الوعود العامة لا ترقى إلى إقرار بدين محدد المقدار أو بعلاقة نظامية محددة.
  • انقطاع الصلة بمحل النزاع: أن تثبت المحادثة وجود تعامل بين الطرفين، دون أن تثبت المبلغ أو الالتزام أو العلاقة التي أُقيمت عليها الدعوى.
  • قصور التقديم: إرفاق صور غير مرتبة ولا مؤرخة، دون فهرسة أو ربط كل رسالة بالواقعة التي تثبتها في لائحة الدعوى.

الضوابط العملية لإعداد الدليل الرقمي قبل قيد الدعوى

  • ١. حفظ المحادثة كاملة منذ بدايتها، والاحتفاظ بالجهاز الأصلي ما أمكن، تحسبًا لطلب الاطلاع على الأصل أو ندب خبير فني.
  • ٢. إثبات نسبة الرقم إلى الخصم بدليل مستقل، كعقد يتضمن الرقم، أو فاتورة، أو حوالة بنكية، أو مراسلات رسمية صادرة منه.
  • ٣. تعزيز الرسائل بالمستندات المؤيدة لها، كالحوالات والفواتير ومحاضر التسليم؛ فالدليل الرقمي المعزّز أقوى أثرًا من الدليل المنفرد.
  • ٤. الحرص عند التعامل على أن تتضمن المراسلات تحديد الالتزام: مقداره وسببه وأجل أدائه، بما يجعلها صالحة لأن تكون إقرارًا منتجًا.
  • ٥. النص في العقود على اعتماد الواتساب والبريد الإلكتروني وسيلةً للتواصل والإخطار، مع تحديد الأرقام والعناوين المعتمدة، للاستفادة من حكم المادة (السابعة والخمسين).
  • ٦. تجنّب المراسلات الانفعالية أو المتضمنة تهديدًا وقت الخلاف؛ إذ يجوز للخصم الاحتجاج بها، فالدليل الرقمي حجة لصاحبه وعليه.

الدفوع الموجهة إلى الدليل الرقمي المقدم من الخصم

لا يكفي في مواجهة الدليل الرقمي الإنكار المجمل. والدفاع المنتج يقوم على فحص المحادثة كاملة لاستظهار السياق المغيّر للدلالة، والطعن في نسبة الرقم أو في سلامة النسخة المقدمة متى قام لذلك سند، وطلب الاطلاع على الأصل أو ندب خبير فني عند الاقتضاء، مع مراعاة أن عبء إثبات عدم الصحة ينتقل إلى الطاعن في الحالات التي نصت عليها المادة (الثامنة والخمسون).

توصية ختامية

تتحدد قيمة الدليل الرقمي قبل الجلسة الأولى؛ في حسن اختياره وترتيبه وربطه بالطلبات. وإذا كانت دعواك تقوم على مراسلات واتساب أو بريد إلكتروني، فإن دراستها قبل القيد تحدد مدى صلاحيتها للإثبات، والطريقة التي تُعرض بها على المحكمة. ويسع فريق شركة معاذ للمحاماة تقييم أدلتك الرقمية وإعدادها وفق متطلبات الإثبات.

  • الــمحامــي ⚖️ مــعاذ عــتين

الخدمات القانونية

هذا المحتوى لأغراض التوعية العامة ولا يُعدّ استشارة قانونية في واقعة بعينها.
اطلب استشارة