دراسة لقيد المائة ألف ريال على الإثبات بالشهادة في نظام الإثبات: نطاقه وحالات المنع دونه، والاستثناءات وأبرزها مبدأ الثبوت بالكتابة، وضوابط الشاهد، مع تطبيق قضائي قبل الشهادة في مطالبة تجاوزت مليون ريال.

أولاً: تحديد المسألة محل البحث
تتناول هذه الدراسة حدود قبول شهادة الشهود دليلًا على التصرفات القانونية في نظام الإثبات الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/43) وتاريخ 26/5/1443هـ؛ إذ قرر النظام أصلًا عامًا بجواز الإثبات بالشهادة، ثم قيَّده بنصاب مالي يوجب الكتابة فيما جاوزه، واستثنى من القيد حالات بعينها. والمسألة العملية: متى تُرد الشهادة لمجاوزة النصاب؟ ومتى تُقبل رغم مجاوزته؟ وما أثر وجود ورقة صادرة من الخصم على قبولها؟
ثانياً: الأصل العام
نصت المادة الخامسة والستون من نظام الإثبات على أنه: "يجوز الإثبات بشهادة الشهود؛ ما لم يرد نص يقضي بغير ذلك". فالشهادة طريق أصلي للإثبات، والمنع منها استثناء لا يقوم إلا بنص، ويترتب على ذلك أن من يتمسك برد الشهادة عليه أن يستند إلى نص مانع.
ثالثاً: قيد النصاب المالي
نصت المادة السادسة والستون على أنه: "(1) يجب أن يثبت بالكتابة كل تصرف تزيد قيمته على (مائة ألف ريال أو ما يعادلها) أو كان غير محدد القيمة. (2) لا تقبل شهادة الشهود في إثبات وجود أو انقضاء التصرفات الواردة في الفقرة (1) من هذه المادة، ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك. (3) يقدر الالتزام باعتبار قيمته وقت صدور التصرف بغير ضم الملحقات إلى الأصل. (4) إذا اشتملت الدعوى على طلبات متعددة ناشئة عن مصادر متعددة جاز الإثبات بشهادة الشهود في كل طلب لا تزيد قيمته على (مائة ألف ريال أو ما يعادلها)؛ ولو كانت هذه الطلبات في مجموعها تزيد على تلك القيمة، أو كان منشؤها علاقات بين الخصوم أنفسهم أو تصرفات ذات طبيعة واحدة. (5) تكون العبرة في إثبات الوفاء الجزئي بقيمة الالتزام الأصلي".
ويُستخلص من النص خمسة ضوابط: الأول أن محل القيد هو "التصرف"، فلا يمتد بلفظه إلى الوقائع المادية. والثاني أن القيد يشمل وجود التصرف وانقضاءه معًا، فالوفاء بالتزام جاوز النصاب لا يُثبت بالشهادة. والثالث أن التصرف غير محدد القيمة يُلحق بما جاوز النصاب. والرابع أن العبرة بقيمة الالتزام وقت صدور التصرف دون ضم الملحقات، فلا يُعتد بما يطرأ بعد ذلك. والخامس أن تعدد الطلبات الناشئة عن مصادر متعددة يُقدَّر فيه كل طلب مستقلًا، ولو جاوز مجموعها النصاب. كما أجاز النص الخروج على القيد باتفاق الطرفين أو بنص.
رابعاً: حالات المنع ولو دون النصاب
نصت المادة السابعة والستون على أنه: "لا يجوز الإثبات بشهادة الشهود ولو لم تزد قيمة التصرف على (مائة ألف ريال أو ما يعادلها) في الحالات الآتية: 1. فيما اشترط النظام لصحته أو إثباته أن يكون مكتوباً. 2. إذا كان المطلوب هو الباقي أو جزء من حق لا يجوز إثباته إلا بالكتابة. 3. فيما يخالف أو يجاوز ما اشتمل عليه دليل كتابي".
والحالة الثالثة أكثرها وقوعًا؛ فمن بيده عقد مكتوب لا يُقبل منه أن يُثبت بالشهود ما يخالف بنوده أو يزيد عليها، صيانةً لاستقرار الدليل الكتابي. وتمنع الحالة الثانية تجزئة المطالبة للتحايل على النصاب، إذ العبرة بأصل الحق لا بالجزء المطالب به.
خامساً: حالات قبول الشهادة فيما يجب إثباته بالكتابة
نصت المادة الثامنة والستون على أنه: "يجوز الإثبات بشهادة الشهود فيما كان يجب إثباته بالكتابة في الأحوال الآتية: 1. إذا وجد مبدأ الثبوت بالكتابة. 2. إذا وجد مانع مادي أو أدبي يحول دون الحصول على دليل كتابي، ويعد من الموانع المادية عدم وجود من يستطيع الكتابة، أو أن يكون طالب الإثبات شخصاً ثالثاً لم يكن طرفاً في العقد، ويعد من الموانع الأدبية رابطة الزوجية، وصلة القرابة والمصاهرة حتى الدرجة الرابعة. 3. إذا ثبت أن المدعي فقد دليله الكتابي بسبب لا يد له فيه".
وعرَّفت المادة الحادية والخمسون مبدأ الثبوت بالكتابة، فنصت على أنه: "(1) يجوز في الأحوال التي يجب فيها الإثبات بالكتابة أن يحل محلها الإقرار القضائي، أو اليمين الحاسمة، أو مبدأ الثبوت بالكتابة المعزز بطريق إثبات آخر؛ وذلك فيما لم يرد فيه نص في هذا النظام. (2) مبدأ الثبوت بالكتابة هو: كل كتابة تصدر من الخصم ويكون من شأنها أن تجعل وجود التصرف المدعى به قريب الاحتمال".
ومقتضى الجمع بين المادتين أن مبدأ الثبوت بالكتابة يقوم على عنصرين: كتابة صادرة من الخصم المحتج عليه، وأن تجعل التصرف المدعى به قريب الاحتمال. وهو بذاته لا يكفي للحكم، بل يلزم تعزيزه بطريق إثبات آخر، والشهادة أبرز هذه الطرق. فإذا اكتمل العنصران انفتح باب الشهادة بلا تقيد بالنصاب.
سادساً: ضوابط الشهادة والشاهد
نصت المادة التاسعة والستون على أن: "تكون الشهادة عن مشاهدة أو معاينة أو سماع، ولا تقبل الشهادة بالاستفاضة إلا فيما يتعذر علمه غالباً دونها"، وعددت من ذلك الوفاة والنكاح والنسب والملك المطلق والوقف والوصية ومصرفهما. ونصت المادة السبعون على أنه: "لا يكون أهلاً للشهادة من لم يبلغ سن (الخامسة عشرة)، ومن لم يكن سليم الإدراك".
ونصت المادة الحادية والسبعون على أنه: "(1) يجب على الشاهد ابتداءً قبل أداء الشهادة الإفصاح عن أي علاقة له بأطراف الدعوى، أو أي مصلحة له فيها. (2) لا تقبل شهادة من يدفع بالشهادة عن نفسه ضرراً أو يجلب لها نفعاً، ولا تقبل شهادة الأصل للفرع، وشهادة الفرع للأصل، وشهادة أحد الزوجين للآخر ولو بعد افتراقهما، وشهادة الولي أو الوصي للمشمول بالولاية أو الوصاية". ونصت المادة الثانية والسبعون على أن: "على الخصم الذي يطلب الإثبات بشهادة الشهود أن يبين الوقائع التي يريد إثباتها، وعدد الشهود وأسماءهم"، وعلى أنه "إذا أذنت المحكمة لأحد الخصوم بإثبات واقعة بشهادة الشهود كان للخصم الآخر الحق في نفيها بهذا الطريق. وفي جميع الأحوال لا تقبل الشهادة على النفي إلا إذا كان محصوراً".
سابعاً: التطبيق القضائي
في حكم المحكمة التجارية بالرياض (الدائرة الثانية) رقم 4630286393 وتاريخ 7/4/1446هـ في القضية رقم 4670239648 لعام 1446هـ، المؤيَّد بحكم دائرة الاستئناف الثالثة رقم 4630532379 وتاريخ 19/6/1446هـ، طالب مورِّد عمالة بمبلغ (1,015,310.60) ريالات، وقدَّم عقدًا مكتوبًا وفواتير مذيلة بتوقيع منسوب للمدعى عليها، إضافة إلى شهادة من أقرت المدعى عليها بأنه مدير المشروع. فدفعت المدعى عليها بأن الشهادة في مبلغ يجاوز مائة ألف ريال، وبوجود دعاوى بينها وبين الشاهد. فردت الدائرة الدفع الأول بأنه "لا ينال من ذلك كون شهادة مدير المشروع كانت في مبالغ أزيد من مائة ألف ريال وأن نظام الإثبات منع من قبولها، وذلك لأن هذه الدعوى مبنية على مبدأ الثبوت بالكتابة والتي تقبل معه الشهادة في أي مبلغ كان"، وردت الثاني بأن "وجود النزاعات المدنية لا يقدح في الشهادة، لاسيما وقد بُنيت على عقد ثابت بالكتابة ومحررات لم تُنكر المصادقة المذيلة بها". وأيدت دائرة الاستئناف الثالثة الحكم محمولًا على أسبابه.
وفي حكم المحكمة التجارية بالرياض (الدائرة الخامسة) رقم 4430144886 في القضية رقم 4470105688، وحكم دائرة الاستئناف التجارية التاسعة رقم 4530294888 في الالتماس المقدَّم فيها، استندت الدائرة الابتدائية في مطالبة جاوزت النصاب إلى ورقة موقعة من المدعى عليه تتضمن إقرارًا بالمبلغ، ونقلت في أسبابها نص المادة الحادية والخمسين بشأن ما يحل محل الكتابة وتعريف مبدأ الثبوت بالكتابة، مع الفقرة الأولى من المادة التاسعة والعشرين، وقضت بالإلزام، وانتهت دائرة الاستئناف إلى تأييد الحكم.
ثامناً: إشكالات عملية وموقف القضاء منها
الإشكال الأول — نطاق القيد في المنازعات التجارية: تنص المادة الأولى من النظام على أنه "تسري أحكام هذا النظام على المعاملات المدنية والتجارية"، ولم يتضمن نص المادة السادسة والستين استثناءً للمواد التجارية، وإنما أحال إلى ما يوجد من "اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك". وقد تعامل التطبيق الأول مع الدفع بالنصاب في دعوى تجارية بوصفه قائمًا من حيث الأصل، ثم تجاوزه بتحقق مبدأ الثبوت بالكتابة، لا بإنكار سريان القيد.
الإشكال الثاني — الخصومة بين الشاهد والمشهود عليه: المادة الحادية والسبعون تمنع شهادة من يجلب لنفسه نفعًا أو يدفع عنها ضررًا، ولم تجعل مجرد قيام نزاع مدني سابق مانعًا بذاته. وقد قضى التطبيق الأول بأن وجود النزاعات المدنية لا يقدح في الشهادة، ولا سيما إذا عززها دليل كتابي، مع بقاء واجب الإفصاح على الشاهد بنص الفقرة (1) من المادة ذاتها.
الإشكال الثالث — تجزئة المطالبة: لا يُمكَّن المدعي من تجزئة حق يجاوز النصاب إلى مطالبات صغيرة لإثبات كل منها بالشهادة، بنص الفقرة (2) من المادة السابعة والستين، بخلاف الطلبات الناشئة عن مصادر متعددة التي يُقدَّر كل منها مستقلًا بنص الفقرة (4) من المادة السادسة والستين.
الإشكال الرابع — الوفاء الجزئي: من ادعى سداد جزء من دين جاوز أصله النصاب لا يُثبته بالشهادة ولو كان الجزء المسدد دون مائة ألف ريال؛ لأن العبرة بقيمة الالتزام الأصلي بنص الفقرة (5) من المادة السادسة والستين.
تاسعاً: القواعد المستخلصة
- 1- الأصل جواز الإثبات بشهادة الشهود، والمنع لا يكون إلا بنص (م65).
- 2- التصرف الذي تجاوز قيمته مائة ألف ريال أو كان غير محدد القيمة يجب إثباته بالكتابة، ولا تُقبل الشهادة في وجوده أو انقضائه (م66/1-2).
- 3- تُقدَّر القيمة وقت صدور التصرف دون ضم الملحقات، والعبرة في الوفاء الجزئي بقيمة الالتزام الأصلي (م66/3، 5).
- 4- لا تُقبل الشهادة فيما يخالف دليلًا كتابيًا أو يجاوزه، ولو كانت القيمة دون النصاب (م67/3).
- 5- مبدأ الثبوت بالكتابة كتابة صادرة من الخصم تجعل التصرف قريب الاحتمال، ويُكمَّل بالشهادة في أي مبلغ (م51، م68/1، التطبيق الأول).
- 6- قيام نزاع مدني بين الشاهد والمشهود عليه لا يقدح بذاته في الشهادة، ولا سيما إذا عززها دليل كتابي (التطبيق الأول).
- 7- على طالب الإثبات بالشهادة بيان الوقائع وعدد الشهود وأسمائهم، وللخصم نفيها بالطريق ذاته (م72).
المراجع
- نظام الإثبات الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/43) وتاريخ 26/5/1443هـ، وقرار مجلس الوزراء رقم (283) وتاريخ 24/5/1443هـ: المواد (1، 29، 51، 65، 66، 67، 68، 69، 70، 71، 72).
- حكم المحكمة التجارية بالرياض (الدائرة الثانية) رقم 4630286393 وتاريخ 7/4/1446هـ في القضية رقم 4670239648 لعام 1446هـ، المؤيَّد بحكم دائرة الاستئناف الثالثة رقم 4630532379 وتاريخ 19/6/1446هـ.
- حكم المحكمة التجارية بالرياض (الدائرة الخامسة) رقم 4430144886 في القضية رقم 4470105688، وحكم دائرة الاستئناف التجارية التاسعة رقم 4530294888 في الالتماس المقدَّم فيها.
- البوابة القانونية لوزارة العدل — الأحكام القضائية: laws.moj.gov.sa.
شركة معاذ للمحاماة والاستشارات القانونية — تمثيل قضائي واستشارات في منازعات الإثبات والمطالبات التجارية. أحكام يتناولها هذا المقال والمنشورة في الموقع: • «الإقرار الكتابي الموقَّع حجة على موقِّعه ولا يُقبل التنصل منه بعد الإقرار بالتوقيع» — الحكم رقم (4430144886). • «عدم إنكار التوقيع صراحةً يُثبت حجية الفواتير، وتُقبل الشهادة فوق النصاب مع مبدأ الثبوت بالكتابة» — الحكم رقم (4630286393). تجد هذه الأحكام بأسمائها وأرقامها في قسم الأنظمة والأحكام القضائية.
- الــمحامــي ⚖️ مــعاذ عــتين
